الافتتاحية

” وأنتَ ثَبِّتْ إخوانَكَ متى رَجَعْتَ ” العدد (42)

” وأنتَ ثَبِّتْ إخوانَكَ متى رَجَعْتَ “

المقدمة

من هو البابا ؟
كشفت أَنباء مرض سـعيد الذكر البابا يوحنا بولس الثاني ونزاعه الأليم وانتقاله إلى الحياة الأبدية، عن مشاعر المحبة البَنويّة الجيّاشة التي يكنّها له المليار كاثوليكي المنتشرون في العالم، إذ شيعوه بصلواتهم ودموعهم يوم الجمعة 2005/4/8.
إن نبأ انتخاب البابا راتسنجر خليفة للبابا الراحل، متخذًا اسم البابا بندكتـوس السادس عشـر يوم الاثنين الموافق 2005/4/18، أثار فرحًا عارمًا لدى أبنـاء الكنيسة كافة، لا بل لدى البشر جميعًا.
ما هو سبب الإهتمام الذي أثاره رحيل البابا يوحنا بولـس الثاني، وانتخـاب البابا بندكتوس السادس عشـر ؟… لنتمكن من تكوين فكـرة واضحة عن ماهيـة البابوية، نستعرض بسرعة المسؤوليات الأربع الرئيسة التي وُضعت على كاهله : مطرانية أبرشية روما، بطريركية كنيسة الغرب، زعامة الكنيسة الجامعة، ورئاسة دولة القاتيكان.

البابا مطران أبرشية روما

كان القديس بطرس قد وصل مدينـة روما في نهاية العقد الرابع من القـرن المسيحي الأول، وهـو الذي نظّم فيها الجماعـة المسيحية الأولى، وأصبـح أول مطارنتها. يؤكد اوسـابيوس القيصري ان استشهاد القديـس بطرس وموته جريا سنة 67م، خلال الإضطهاد الذي شـنّه نيرون على المسيحية، ولقـد صُلِب على ربوة القاتيكان، حيـث دُفنَ. وفي موضع استشهاده، أَقـام البابا اناكليطـس نصبًا تذكاريًا، وهناك بنى الامبراطور قسطنطين كنيسة، حيث تقوم حاليًا كنيسة القديس بطرس وفقًا لتصاميم برامنتي وميكيل انجلو.
إن استشهاد القديس بطرس في روما، جعل هذه المدينة كرسيًا مطرانيًا، وجعل من الجالس عليه عِبر الأجيال خليفة للقديس بطرس.
على غِرار سائر المطارين، يتحمل البابا المسؤولية الكاملة عن أَبرشية روما، ولقد أَبدى البابـوات دائمًا اهتمامًا كبيرًا بمسـؤوليتهم الأولى هذه كأساقفة مدينـة روما، فلقد أعلن البابا يوحنا بولس الثاني منذ تولّيه السُدّةَ البطرسية، انه سـوف يزور جميع خورنات أَبرشية روما واحدة فواحدة، وهذا ما حاول أن يفعله.
يبلغ عدد أَبناء أَبرشـية روما حاليًا أكثـر من 300.000 نسـمة، ونظرًا إلى مهمّات البابا الرسولية الكثيرة، يسـاعده في إدارة الأبرشية الكردينال النائب العام البابوي، وهذا الآخر يساعده أساقفة آخرون. إن مكاتب هذه الوكالة موجـودة في قصر اللاتران بالقرب من كاتدرائية القديـس يوحنا، التي هي كاتدرائيـة روما. لا تنتهي مَهَمّة النائب العام البابوي لأبرشية روما بشـغور الكرسي الرسـولي أو بوفاة البابا.

البابا بطريرك الغرب

يتبع التنظيم الكنسـي الإداري التنظيم المدني الإداري. منذ زمن الامبراطـور ديوقليسيانوس، قُسـمت الامبراطورية الرومانية عام 294م إلى أقاليم عديدة، منها الأقاليم الرئيسية الآتية : إقليم الغرب وعاصمتـه روما، وإقليم مصر وعاصمتـه الإسكندرية وإقليم الشرق وعاصمته أنطاكيا، ثم إقليم آسـيا الصغرى (تركيا حاليًا) وعاصمته القسطنطينية ؛ فتزعّم تدريجيًا مطارنـة هذه العواصم كنائـس أَقاليمهم، وهكذا تكونت البطريركيات.
أَقرّ المجمع المسكوني الأول عام 325م بسلطة مطارنة المدن الكبرى الثلاث على كنائس أقاليمها، فشـملت سلطة أسقف روما جميع أساقفة إيطاليا، وأسـقف الاسكندرية جميع أساقفة مصر، وأسقف أنطاكيا أساقفة سوريا، وأقرّ في ما بعـد المجمع الخلقيدوني عام 451م بسلطة مطران القسطنطينية على آسيا الصغرى، وأسقف القدس على أساقفة فلسطين.
هكذا صار مطـران روما، بصفتـه بطريـرك الغرب، يمارس دومًا سلطتـه المباشرة على الكنيسة اللاتينية، لذا غدا البابا يحمل لقب ” بطريرك الغرب “، من بين الألقاب الأخرى، فهو الذي يعيّن أساقفتها.
يساعد البابا في إدارة هذه الأبرشـيات في كل بلد، مجمع أسـاقفة ذلك البلـد، فهناك مثلاً ” مجلس الأساقفة الإيطالي “ Conferenza Episcopale Italiana الذي يضم أساقفة ذلك البلد، فيدرسون شؤون بلدهم ويرفعون توصياتهم إلى الكرسي الرسولي.
يواصل البابا، من مركز رئاسته العليا في القاتيكان، اتصاله بالأساقفة الكاثوليك بواسطة مجمـع خاص هو مجمع الأسـاقفة، ويواصل السـهر على حسن سـير الأحوال في الأبرشيات القائمة في البلدان الغربية.

البابا رئيس الكنيسة الجامعة

أراد يسوع أن تكون كنيسـته مؤسسةً منظّمة، فاختار إثني عشر رسـولاً ليكونوا أعمدة هذه الكنيسة، واختار من بين هؤلاء بطرس ليكون زعيمًا لهم ومدبّرًا للكنيسـة جمعاء حين قال له : ” أنت الصخـرة، وعلى هذه الصخـرة أَبني بيعتي، وأبـواب الجحيم لن تقـوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السـماوات، فكل ما تربطه يكون مربوطًا في السماوات، وكل ما تحلّه يكون محلولاً في السماوات “ (متى 13/16-19). بهذا أعطى يسـوع رسوله بطرس السلطة ليدبّر كنيسته، وأعطاه ” المفاتيـح “، أي سلطان الحل والربط.
بما أن يسوع أراد أن تدوم كنيسـته حتى آخر الأزمنة، إذ قال لتلاميذه قبـل صعوده إلى السماء : ” هاءنذا معَكم طوالَ الأيامِ إلى نهايةِ العالَم “ (متى 20/28)، وبما انه كان يتوقّع موت بطرس، لا بل تنبأ عنه حين أوكل إليه رعاية خرافـه (يوحنا 17/21-19)، فهـذا يعني ان مَهَمّتَه لن تنتهي بموته بل تنتقـل إلى الشخص الذي يخلفه على كرسيه في روما حيث استشهد.
هكذا يتمتع بابا روما، بصفتـه خليفة القديـس بطرس بالأولية في المصـف الأسقفي، ويتمتع بالسـلطة العليا والكاملة على الكنيسـة، فتعود إليه مَهَمّة عقـد المجامع المسكونية، وتعيين الكرادلة وإعلان العقائد (دستور في الكنيسة 22).
يمارس البابا سلطته على الكنيسـة الجامعة من خـلال مجموعة من الدوائـر الرومانية، تُسمّى مجامع أو سكرتاريات ؛ كل مجمع أو كل سكرتارية تهتم بنشاط معيّن، فهناك مجمـع خاص بالإكليروس، وآخر بالرهبنات وآخر بالعقيدة وآخـر بالحوار المسكوني وآخر بالعلاقة مع سائر الأديان …إلخ.

البابا رئيس دولة القاتيكان

سنة 1929، أُبرمت معاهدة بين الكرسي الرسولي وحكومة إيطاليا، على يـد البابا پيوس الحادي عشر وموسليني رئيس وزراء إيطاليا، تنازلت بموجبها الكنيسة الكاثوليكية نهائيًا عن حقها بالسيادة على مدينة روما برمّتها، وكوّنت دولة مستقلة أسمتها ” حاضـرة القاتيكان “، فاعترفت بها حكومة إيطاليا رسـميًا ومعظم دول العالم، والهدف من تأسيسها هو ضمان استقلالية الكرسي الرسولي إزاء أي سلطة دنيوية، وأصبح البابا منذ تلك السنة رئيس دولة ” حاضرة القاتيكان “.
ان ” حاضرة القاتيكان “ أصغر دولة في العالم مساحةً، تبلغ مساحتها 440 دونمًا، ويضاف إلى ذلك بعض البنايات خارجـة عن حدودها تتمتع بامتيازاتها كالكنائـس الكبرى في روما وقصور الوزارات البابوية وبعض الجامعات والمعاهد العلمية.
إن عَلم هذه الدولة بلونين : أبيض وأصفر وعليه رسم مفاتيح القديس بطرس، ونشيدها الوطني من وضع الموسيقار الفرنسي غولو (1818-1893).
إن دولة ” حاضرة القاتيكان “ عضـو في معظم المنظّمات الدوليـة، وعيّنت حكومات كثيرة سفراءَ ها لديها، كما ان قداسـة البابا يعين سفراءه الرسميين لدى الدول، شأنه بذلك شأن جميع الملوك والرؤساء.

” ثبّت إخوانك “

قال يسوع للقديس بطرس عشيّة آلامه : ” سمعان سمعان، هُوذا الشيطانُ قد طلبكُم ليُغَربلكُم كما تُغربَلُ الحِنطَة، ولكني صليتُ من أجلك أَلاَّ تَفقِدَ إيمانَكَ، وأنتَ ثَبِّتْ إخوانَكَ متى رَجَعْتَ “ (لوقا 31/22-32).
إن صلاة يسوع من أجل بطرس مستجابة من دون ريب، لذا فإيمان بطـرس إستمر راسخًا قويًا أمام الصعوبات، وأصبح بطرس ” الصخرة “ التي شيّد عليها المسيح كنيسته، لذا كان في إمكان المسيح الرب أن يعتمد عليه وأن يوجز مَهَمّتَه بـ ” تثبيت إيمان أبناء الكنيسة “.
هكذا ان البابا، خليفة القديس بطرس، هو الحارس الأعلى للإيمـان المسيحي، ومَهَمّة ” تثبيت اخوته “ في الإيمان، يمارسها من خلال التعليم الذي يلقيه عِبر وسائل عديدة، منها الخطب والمواعظ التي يلقيها أثناء المقابلات العامة والخاصة وأثناء المراسيم الطقسية، ومن خلال الرسـائل العامة التي يصدرها بين الحيـن والآخر. كما انه يثبّت اخوته من خلال إدارة شؤونهم الكنسية عِبر ممثّليه.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى