"...لخلاص الذين ينتظرونه... “ (63)
08/11/2017
الأحد الرابع من سابوع تقديس البيعة
...لخلاص الذين ينتظرونه... “
(عب 28/9)
الأب جنان شامل
الأحد الرابع من سابوع تقديس البيعة
القراءة الثالثة
الرسالة إلى العبرانيين (16/9-28)
لأنها حيثُ تكونُ وصيةٌ فهي تدُلُ على موتِ من وصَّى بها * لأنها إنَّما تثُبّتُ على الميتِ وحدهُ إذ لا منفعةَ بها ما دام الُموَصِّي بها حيًا * ومن أجلِ هذا فالوصّيةُ الأولى أيضًا لم تثبُتْ بغيرِ دم * لأنّهُ لَما وصّى موسى الشَّعب كلَّهُ بكلِّ وصيَّةٍ في النّاموس أخذ موسى دم العجلَةِ وماءً بصوف قِرمِزيٍّ وزُوفى ورشَّ على الأسفار وعلى جميعِ الشّعب * وقال لهم هوذا دمُ الوصيةِ التي وصَّاكم الله بها * ورشّ من الدَّم عينِه على القُبّةِ أيضًا وعلى أدواتِ الخِدمةِ كلها * لأنَّ كلَّ شئ يُطهَّرُ على حسبِ الناموس. ولا مغفِرة بغيرِ سـفكِ الدَّم * اذ لابدَّ من أنَّ هذهِ الأشـياء التي هي أشباهُ السماويّاتِ تُطَهَّرُ بهذه * أمّا السماويات فبذبائحَ أفضلَ من هذه. لأنَّ المسيح لم يدخُلْ بيتَ المقدِسِ المصنوع بالأيدي، الذي هو شِبهُ ذلك الحقيقي. لكنّهُ دخلَ الى السماءِ بعينها. ليتراءَى أمامَ وجهِ الله لأجِلنا * ولا ليُقرَّبَ نفسَهُ مرّاتٍ كثيرة، كما كان يصنعُ عظيمُ الأحبار، فيدخُلُ بيتَ المقدِسِ كلَّ سنةٍ بدمِ غيرهِ * وإلاّ لوجب عليهِ أن يتألّم مرارًا كثيرة منذُ ابتداءِ العالم. أما الآن فقد قرّب نفسهُ مرَّةًَ واحدةً بذبيحتِهِ في آخرةِ الزَّمانِ ليُبْطِلَ الخطيئةَ * وكما حُتِم على النّاس أن يموتوا مرّةً واحدةً ومن بعدِ موتِهم الدينونة * كذلك المسيح أيضًا قرَّب نفسَهُ مرّةً واحدةً وذبَح بأُقنومه خطايا الكثيرين، أَمّا في المرَّةِ الثّانيةِ فسيَظْهَرُ بلا خطايا لخلاصِ الّذين ينتظِرونَهُ(1)*
1- الإطار التاريخي الذي  ورد  فيه  نص ( عبرانيين 16/9-28)
من بين أسفار العهد الجديد، تبرز الرسالة إلى العبرانيين الأكثر غرابة وإثارة للدهشة. هذا السفر الفريد باسـلوبه ولغته اليونانية المتينة، يثير الإنتبـاه من الوهلـة الاولى الى محتواه اللاهوتي المختلف عن باقي الرسائل، مشكلاً، وبحق، قطعة أدبية واحدة ومتماسكة. كباقي أسـفار الكتاب المقدس يطرح السـائل الأسـئلة التقليديـة على الكتـاب :  من هـو كاتب الرسالة ؟ والى مَن موجهة ؟ ومتى كتبت ؟ وأين كتبت ؟ اسئلة لا نكشف سرًا اذ نقول انها مازالت قائمة الى يومنا هذا من قبل دارسي الكتاب المقدس. لكن يبقى الأجدر بالقول، وباتفاق اغلب الدارسين الكاثوليك وغير الكاثوليك، بأن القديس بولس لا يمكن أن يكون كاتب هذه الرسالة رغم ظهور تأثيره الواضح، لهذا تقع في خاتمة مجموعة الرسائل البولسية في العهد الجديد.
من هو الكاتب اذن ؟ الكاتب رجل واعظ يخاطب جماعة مسيحية، مع محافظته على الخط البولسي من خلال تواصل فكري وتقديم جديد، من أصل يهودي جماعة عارفة بالعادات والتقاليد العبادية اليهودية، ضمن إطار افكار يهودي يستثمر الفكر الأفلاطوني المحدث، قبل تدمير الهيكل النهائي سنة 70م، ويؤكد هذا الكلام اشارته إلى عبادات يهودية كانت تمارس في الهيكل، كل هذا يضـع احتمال كتابة النـص بين الأعـوام 65-67 م. عنوان الرسالة : ” الى العبرانيين “(2) هو الآخر يضعنا في حيرة، فمن هم هؤلاء العبرانيون ؟ وهل هم مسيحيون أم موعوظون ؟ حتى العنوان لا يفي بالغرض ! فالكاتب ” يضعنا “ هنا أمام مشكلة رعوية تكاد تكون معاصرة لنا، جماعة استنفدت قواها مرهقة من الإنخراط في العالم، متعبة من العبادات، من التعليم المسيحي، من الإضطهادات الخارجية والداخلية لا بل متعبة من المسيح نفسه (12/12 ركب متراخية-25/10 الإنقطاع عن الجماعة)، لا اهتمام في الكنيسة وفقدان الثقة المتبادلة، لذلك كان ضروريًا الغوص إلى الأعماق للخروج بكلمات تستعمل لغة رمزية عميقة  لتعزيز الدعوة المسيحية والثبات فيها. اسلوب الكاتب هو امتداد للمدرسة البولسية وإن اختلف عنه في الجديد الذي تطرحه الرسالة : فهي الوحيدة من بيـن أسـفار العهـد الجديد التي تطلق على المسـيح صفـة : ” الكاهن، الحبر، كبير الأحبـار “، والكلام على كهنوت المسيح. ومثلما يشدد الكثير من الدارسين، وحسب الاسلوب الأدبي، فهي ليست رسالة بل عظة (Homily) من الجيل الأول، انها كلمة تعزية (22/13) لها تصميم رابيني - يهودي ومحتوى مسيحي (3/11). وعند الإقتراب من افتراض تـاريخ كتابة النص، حوالي نهاية القـرن الأول ( اشارة كليمنص الروماني )، يقفز المحتوى الكرستولجي للرسالة ليكون قريبًا مما كان متداولاً في هذه الفترة من المسيحية الناشئة (60-100م). انها رسالة على مثال شخصية ملكيصـادق المذكور فيهـا بلا أب  ولا ام  ولا نسب (3/7). ولتحديد مكـان كتابة الرسالة ؟ نجد اشارة جغرافية واحدة ويتيمة في (24/13) وهذا ليس بالأمر الكافي. رغم كل ما سبق قوله تبقى الرسالة ضمن أسفار العهد الجديد موحى بها وتمثل التواصل غير المنقطع بين ما تركه القديس بولس والحلقة المحيطة من المقربين. كُتُبٌ اوحي بها وماتزال  توحي الكثير للمؤمن المسيحي.
22- التحليل الكتابي البيـبلي :
مـن أجل فهم النص علينـا من البداية، أن نفهم ان الفصـل التاسـع بآياته الأخيرة (16-28) يمثل امتدادًا لا بل خاتمة لسلسلة من الفصول تحمل عنوان : ” العلاقة بين العهدين “، من خلال المقارنة بين كهنوت المسيح وكهنوت العهد القديم، وذبيحة المسيح عند وضعها ازاء الذبائح التي كانت تقدم في القديم على مذبح الهيكل. إن الكاتب ينطلق من خلال استذكار أحد أهم الأيـام في حيـاة الشـعب اليهودي الذي يدعونـه بامتيـاز ” اليوم “: انه ما يعرف بـ ” يوم كيپور“  أو يوم الغفران، المرة الوحيدة في السنة التي كان فيها عظيم الأحبار يدخل قدس الأقداس مكان حضرة الله - يهوه - في الهيكل حيث قُدس الأقداس ويرش الدم : دم الثور عن خطايـاه ودم التيـوس لخطايـا الشـعب (راجع أح 16). كانت الطقوس تجري من خلال وساطة الدم لغفران الخطايا، وهذا ما جعلها طقوسًا ناقصة لا تتوصل الى إقامة علاقة صحيحة، فالحيوان المذبوح لا يفي لغرض الإتصال بإله حي ؛ فكانت الحاجة الى وسيط جديد ألا هو المسيح، الوسيط (15/9) الذي كان عليه أن يقود عملية التحوّل وسيطًا للعهد الجديد (عب 8/8-12)، ولا وساطة بدون دم (22/9) فالله لا يسكن بعد في بناء من صنع البشر (رسل 48/7، 24/17). يسوع  المسيح القائم من بين الأموات بجسده هو الهيكل الجديد (يو21/2). إنها حركة من الفاني إلى الأبدي، من النهاية إلى البداية. يسوع ابن الله تأنس، وبناسوته تحوّل إلى إنسان جديد للدخول إلى مجد الآب من الآلام. فأصبح المسيح الكاهن والذبيحة معًا، إنها ذبيحة تشمل كل وجود الإنسان وليس الجسد فحسب. انه عهد جديد يمر عبر الموت - بمعناه الإيجابي كتحوّل نحو الأبدية - ويساعد في قيام علاقة جديدة بين الله والإنسان ولأجل ذلك أمسى يسـوع خيمة العهد الجديدة التي يفتح الطريق نحـوهـا (20/10). ولاكتمـال الربط مـع الآيـة 15 ندخل في جو يمكن وصفه انه عظة داخل عظة، لينتقل الكاتب إلى شـرح كيفيــة أن التطهير يحتـاج الـى الدم، والتطهير يكـون مـن خـلال المـوت (16/9-22). في هذه الآيات نجد كلمة ” عهـد “ محورية في النص، وهي تؤدي معاني مثل : وصية، إرادة، مشيئة، كل هذه تقود إلى المعنى الأساسي المتناغم مع مفهوم العهد الكتابي. فصلب الموضوع فيه دومًا، والترابط بين العهدين. لكن الجديد في الأمر، وهذا دائمًا ما يريد الكاتب أن يقدمه، هو التحول من العهد إلى حفظ الوصية. فالوصية، بمعناها العامي، تبقى قطعة ورق ليس لها أي قيمة إلاّ بعد وفاة الموصي بها. لا وصية بدون موتٍ. كما أن الكلام على القديم نفسه ينطبق على الجديد، العهد يتطلب موتًا وتضحية وكل تضحية فيها سفك دم. لكل عهد ثمن فيه تنازل وتخلي. العهد الجديد يعطي مفهومًا جديدًا للغفران. الغفران ليس رخيصًا أوسهلاً انه باهض الثمن، يحتاج إلى تطهير وهذا التطهير ما كان ليتم إلاّ من خلال موت المسيح (23/9-28) وهذا هو القسم الأخير من النص. رغم الجديد ومحاولة الربط من خلال إقامة التشابه، والذي يقود إلى أن الرب يسوع المسيح هو الذبيحة المرضية، ان الأمر ليس مقدرًا للتلذذ بالألم، بل هو يمهد ليس إلى خيمة الصحراء الفانية في برية التيهان بل إلى السماء نفسها حيث يجد الإنسان نفسه مع خالقه. وهنا يأخذ الكاتب القارئ إلى ما هو أبعد : إلى المجيء الثاني (آية 28)، ويقدمه على انه بشرى وليس لعنة، نعم هناك موت وبعده دينونة وثم، حياة ! مجيء المخلص الثاني هو عودة إلى كل الذين هم اخوة وأخوات الذين ” ينتظرونه “ ليجمعهم، ليس كمجرد ديّان رهيب بل مخلص رحوم ذبيحة من أجلنا. 3
3- الاطار الليتورجي :
أ ‌- علاقة هذا النص مع النصوص الأخرى : في هذا الأحد الأخير من السنة الطقسية والمتمحور حول التأمل في سر الكنيسة تضعنا القراءات المرتبة لهذا الغرض في استعراض جميل يساعد في التأمل والوقوف أمام الوحي الإلهي الذي يدخلنا إلى قدس الأقداس ليصل بنا الى سماع كلمات المسيح ” الوسيط “ والمعلم لمستمعين رفضوا القبول بأنه هو المسيح بافكارهم وتصوراتهم الخاطئة. فمع حزقيال (1/43-7 + 1/44-5) وبرفقة من يقوده (7/43) لنرَ معه الرؤية التي تفصّل كيف ستكون عودة الرب : عودة الرب من جهة الشرق (بحسب كاتب السفر) ويمتلئ المكان من حضرة الرب، ومجده يخيّم على المكان (2 اخ 13/5-6/2، 1مل8/ 13-10) من ثم وبعودة إلى حيث البداية (آية 3) ندخل في جو رؤية داخل رؤية، لنشعر وكأننا في مسيرة ليتورجية  كما يتطابق مع آيات المزمور (9/24-10). نصل أمام عرش الرب (مز10/29). الدعوة في النص أن تكون العبادة حقيقية وليس مثل أشكال العبادة الزائفة التي قادت إلى تدمير الهيكل مركز العبادة. حركة الدخول ثم إغلاق الأبواب لنقف أمام قدس الأقداس كما تصف الرسالة، لتصل مسيرتنا إلى حضرة الرب يسوع الذي يوجّه الخطاب لمستمعيه في تعليم قوي وشديد بحسب انجيل القديس متى (41/2-22/23)، انه آخر مقطع في الجدال الذي يبدأ حول سلطة يسوع في ما سبق من الفصل، يحاجج يسوع خصومه في قضية البنوة لداؤد وارتباطها بالهيكل. يسوع كعادته يستند الى آيات من الكتاب المقدس : قال الرب لسيدي (مز1/110)، والسبب هو : من أجل الدخول في علاقة صحيحة يتوجب قبلها فك الإلتباس حول شخص، نحن مدعوون أن ندخل في علاقة معه. يسـوع كذلك يحاول أن يغيّر مفاهيم المعلمين بشكل خاص حول هويته، فهو ليس بفاتح مقتحم وبطل عسكري مثل داؤد أبيه الذي بمعونة الرب سيدمّر أعداء اسرائيل. مع بنوة المسيح لداؤد، المزمور يقترح مسيحًا من شكل آخر : داؤد نفسه يدعوه ربًا (2 صم 14/7 نبوءة ناثان). المسيح القادم، وانطبق هذا في شخص يسوع الناصري، قائد روحي يروم من خلال القول والفعل أن يوصل محبة الله إلى الخراف الضائعة من بيت اسرائيل (متى 45/5). الأمر يحتاج الى مؤتمنين وهم المعلمون ولكن أي معلمين ؟ (متى 1/23-12)، على معلمي العصر الحالي أن لا يكونوا على مثال معلمي اليهود. الأمر يتطلب قيادة في مسيرة، وعيش التعليم قولاً وفعلا،ً والإبتعاد عن الروح الفريسية (آية 4) وكل ما يزاد عليه فهو حمل من الإنسان وليس من عند الله. حمل يسوع خفيف كما يصفه متى (28/11 و 1/12-14). يسوع يريد أن يجسّد لمستمعيه ولنا أن أهم مطالب الشريعة هي العدل والرحمة والإيمان (تث 22/14-23، ميخا 8/6). انه العهد الجديد جاء ليكمل القديم.
ب - علاقة النص بالصلاة الطقسية :
ولتكتمل الصورة نصل من خلال ترتيلة الأسرار (عونيةا دأْرزا) إلى تطبيق لما ورد في النصوص السابقة إذ تقول الترتيلة :
وجههم إلى الميناء الذي أرادوه : إلى ميناء الأسرار غير قابلة الوصف، بَلِّغْنا لكي نتناولها ؛ ونستحق كلنا أن نغسل الدنس من أنفسنا. ونقترب من الذبيحة النقية التي لا عيب فيها، ونرث حياة الأبد التي لا نهاية لها ولا تموت - كما وعد المسيح ملكنا لمحبيه - ونستقبل وجه إلهنا بتهاليل الشكر، ومع الوف الكاروبيم وربوات السرافيم نقول معًا : قدوس، قدوس قدوس أنت ! يا ملك المجد البهي، ارحمنا ! (عونيةا دأْذزا دحدبشبا داربعا دقودش عدةا) (كتاب الصلاة القانونية للكهنة - حودرا -، المجلد الثالث، صفحة ةلى- الترقيم الكلداني - 435). حركة الدخول والخروج، البلوغ إلى ما تبغي النفوس بالوصول إلى مينـاء الأسـرار، قدس الأقداس الجديد حيث يتسـنّى للمؤمن أن يتناول جسـد ودم الرب ” الذبيحة النقية “. مشهد رائع يصوّر مسـيرة الكنيسـة في بحر الأسـرار (غاية الليتورجيا الإبحار في بحر الأسرار الإلهية)، مع ربّان وليس لوحدها، انه الوسيط الوحيد الذي قدم نفسه دونها ودعانا لنكون شركاء معه في هذا الإبحار. الأمر يتطلب منا موقفًا في التاريخ، موقفًا نجد ترابطه في الترتيلة من خلال الربط بين أقسام الزمن : ماضٍِ مشوه ودنس، حاضر فيه جهاد وسعي وتسبيح وصولاً إلى مستقبل نكون فيه ورثة ونبلغ المرام بلقاء الآتي في المجد. بهذه الذبيحة نرث وتُغسل الأدناس، هناك وعد ووصية من يحفظها سيرث ويخرج إلى لقاء الملك بعد انتظار برجاء. الليتورجيا استحضار السماء على الأرض، وتهيئة للمجيء الثاني. فليس الأمر مجرد ختام للسنة بل بداية من جديد.
4- رسالة النص لعصرنا :
واليوم ما هو موقف انساننا المعاصر أمام ما سبق ذكره ؟ أليس الكل جزء من جسد المسيح السري، الكنيسة، السفينة في بحر العالم بكل ركابها تنظر في هذا الأحد إلى بلوغ المرام بلقاء ربانها، الذي بدمه قدم نفسه ذبيحة بلا عيب من أجل الخلاص. الأحد الأخير ليس نهاية بل بداية استمرارًا في سلوك طريق المعلم وعلى مثاله ليكون المؤمنون على مثاله كما يقول بولس الرسول ذبائح روحية عبر الدخول في حضرة الرب ليملأ مجده العالم من خلال عبادة روحية : ” إِنِّي أُناشِدُكم إِذًا، أَيُّها الإِخوَة، بِحَنانِ اللّهِ أَن تُقَرِّبوا أَشْخاصَكـم ذَبيحـَةً حَيَّةً مُقَدَّسـةً مَرْضِـيَّةً عِندَ الله. فهـذِه هي عِبادَتُكـمُ الرّوحـِيَّة “ (روم 1/12)، لكن الذبيحة هذه المرة مشاركة وفهم أعمق لرسالة السعي من اجل تقديم المسيح للعالم.  هذه المشاركة تكمن في الإشتراك في كهنوت المسيح وهي نابعة من المعموذية، كهنوت عام يضع على عاتق الكل مسؤولية سوف نُسأل عنها، مسؤولية يشبهها بطرس الرسول بالقول : ” وأَنتم أَيضًا، شأنَ الحِجارَةِ الحَيَّة، تَبنُون بَيتًا رُوحِيًا فَتكونونَ جَماعًة كَهَنوتيَّة مُقدَّسة، كَيْما تُقَرِّبوا ذَبائِحَ رُوحِيَّة يَقبَلُها اللهُ عن يَدِ يَسوعَ المسيح “ (1 بط 5/2). الأمر يتطلب الإهتداء، الإستعداد لتغيير المسارات الخاطئة، الصبر الجميل، الرجاء بما يترقب الأبناء من أب رحوم سيأتي ليجمع ابناءَه من جديد.
ما هو جوابنا أمام هذه الدعوة ؟ قبول أم رفض ؟ هل حياتنا هي نهايات مستمرة أم بدايات مستمرة ؟ اسئلة يجاب عنها بشكل شخصي جماعي وجذري وشفاف لأن كل هذا وغيره يجعل من انتظارنا عيدًا مستمرًا بدون توقف لأن المسيح ” قرَّب نفسَهُ مرًّة واحدًة وذُبِح بأُقنومِهِ خطايا الكثيرين أَمّا في المرَّةِ الثّانيةِ فسيَظْهَرُ بلا خطايا لخلاصِ الّذين ينتظِرونَهُ “ (عب 28/9) عامل قوي ودافع يدفعنا رغم كل شيء إلى الرجاء.