الفرح بالخسران (59)
08/11/2017
الأحد الثاني من الصليب والخامس من إيليا
الفرح بالخسران
الأب ألبير هشام نعّوم
الأحد الثاني من الصليب والخامس من إيليا
وبَعدُ، أَيُّها الإِخوَة، فافرَحوا في الرَّبّ. لا يَثقُلُ علَيَّ أَن أَكتُبَ إِلَيكم بِالأَشياءِ نَفْسِها، ففي ذلك تَثْبيتٌ لَكم. إِحذَروا الكلاب، اِحذَروا العَمَلَةَ الأَشرار، اِحذَروا ذَوي الجَبّ، فإِنَّما نَحنُ ذَوو الخِتانِ الَّذينَ يُؤَدُّونَ العِبادةَ بِرُوحِ الله ويَفتَخِرونَ بِالمسيحِ يسوع، ولا يَعتَمِدونَ على الأُمورِ البَشرِيَّة، مع أَنَّه مِن حَقِّي أَنا أَيضًا أَن أَعتَمِدَ علَيها أَيضًا. فإِن ظَنَّ غَيري أَنَّ مِن حَقِّه الاِعتِمادَ على الأُمورِ البَشرِيَّة، فأَنا أَحَقُّ مِنـه بِذلِك : إِنِّي مَخْتونٌ في اليَومِ الثَّـامِن، وإِنِّي مِن بَني إسـرائيل، مِن سـِبْطِ بَنْيامين، عِبْرانِيٌّ مِنَ العِبْرانِيِّين. أَمَّا في الشَّريعة فأَنا فِرِّيسِيّ، وأَمَّا في الحَمِيَّة فأَنا مُضطَهِدُ الكَنيسة، وأَمَّا في البِرِّ الَّذي يُنالُ بِالشَّريعة فأَنا رَجُلٌ لا لَومَ علَيه. إِلاَّ أَنَّ ما كانَ في كُلِّ ذلِكَ مِن رِبْحٍ لي عَدَدتُه خُسْـرانًا مِن أَجلِ المسـيح، بل أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَة السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِهِ خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ.
(رسالة مار بولس إلى أهل فيلبي 1/3-8)

1) الإطار التاريخي الذي ورد فيه نص (فيلبي 1/3-8)
كانت مدينـة فيلبي، وهي اليوم خراب، مدينة مزدهرة في الزمن القديم. جاء إليها فيلبس، والد الأسـكندر الكبير، فبناها وحصّنها وسمّاها باسمه. مرّ بولس بها في أثنـاء رحلته الرسـولية الثانيـة في السـنة 49 أو السنة 50، يرافقه سيلا وطيمثاوس، ولا شـك أن لوقا رافقـه أيضًا. وفي هذه المدينة  بشّر بولس الناس بالإنجيل فـي أورپـا أول مرة. كـان اليهود في فيلبي، لا مجمع لهم فيهـا لقلة عددهم، يعقدون اجتماعاتهم في خـارج المدينة، عند الينابيع، أو ربما على ضفة النهر. وقد عمّد بولس هناك بضـعة أشخاص، منهم بائعة الأرجوان ليدية، وهي من الدخـلاء، فأضـافته وصار بيتهـا الموضـع الذي فيه تلتئم جمـاعة فيلبي (أع 14/16 و15). ولكن سـرعان ما نشأت بعض المصاعب، فتعرض بولس لسوء المعاملة وسُـجن، ثم اضطر إلى مغادرة المدينـة، ولم يترك فيها سوى جمـاعة صغيرة معظمها من أصل وثني.
الرسـالة إلى فيلبي، رسالة من القلب إلى القلب. كان بولس بعد شابًا لما كتبها، فدعا أهل فيلبي أن يعيشوا حياتهم المسيحية أُناسًا يسعون في الميدان ليربحوا الجائزة التي تنتظر المجاهدين الصادقين، وأن لا يعدّوا أنفسهم وصلوا إلى مـلء الهـدف الذي فـي يسـوع المسيح، فما زالت الطريق طويلة أمامهم وقد يكلّفهم خسارة الكثير من أجل ربح المسيح. يتضح لنا من المودة التي يظهرها بولس في هذه الرسالة أنه كان يشعر بأواصر خاصة تربطه بهذه الكنيسة، فظل محافظًا على علاقـات مسـتمرة بها. كما كتب يشجّعهم في وسط الصعوبـات. هو في السجن، مهدد بالحكم بالاعـدام، ومع هذا فهو فرح. فلماذا تقلق جماعة فيلبي ؟! عليها هي أيضًا أن تفرح.
2) التحــليل الكتابي - البيبلي
يبدأ بولس بدعوته أهل فيليبي إلى الفرح، وتثبيتهم بإعادة كتابة بعض الأمور لهم، ثم يحذّرهم من بعض المجموعات التي تضللهم وتُبعدهم عن الإيمان القويم : الكلاب وهم حيوانـاتٌ نجسة، وكان اليهود يلقّبون بهم الوثنييـن. العملة الأشرار وهم المشـاغبون. ذوو الجب الذين يتمسـكون بالختـان المادي لا بختـان القلب (روم 29/2). ويفصل نفسه مع جماعته عن هؤلاء المجموعات بالافتخار بيسوع المسيح وعدم الاعتمـاد على الأمور البشريـة، التي يقصد بها الجسد في ضعفه البشـري من خلال ارتباطه بالممارسـات اليهودية، ولا سيّمـا بالختان الذي كان بولس يفتخر به قبل أن يعرف المسـيح. فهو لم ينكر ولا مـرة واحدة ماضيـه اليهودي، لكنه لم يعدّد مـا يعدّده هنا من الصفـات عن نفسه : مختون في اليوم الثامن، من بني إسـرائيل، من سبط بنيامين الذي له مكانة أكثر من باقي أسباط إسرائيل، إذ منه خرج شاؤل أول ملوك إسرائيل وبولس يحمل اسمه، عبراني من العبرانيين. ومن ناحية الشريعة، فهو فريسي يحفظ الشريعة حفظًا دقيقًا وكان يقاوم يسوع، وفي الحمية مضطهد للكنيسة وقد صارت هذه الحمية بعد ذلك في خدمة الكنيسة، وفي البرّ الذي يُنال بالشريعة فهو رجلٌ لا لومَ عليه.
ولكن حين لقي بولس يسوع المسيح في طريق دمشق (أعمال رسل 4/9-5)، سقطت جميع امتيـازات الولادة والتربيـة وجميع الجهود الدينية والأخلاقيـة. لقد أصبحت بعد اليوم، لا مهملة فقط، بل مضرّة، تحملُ على الكبرياء الروحي المؤدي إلى رفض نعمة المسيح. فلا يفقد ” الاتكال على الأمور البشرية “ بعض قيمته بفضل الإيمان، بل لابدّ من إزالته، وعَدّ كلّ شيء خسارةً من أجل ” معرفة “ المسيح. ولكلمة ” المعرفة “ معنى كتابي قوي جدًا، إذ لا تعني اكتشافًا عقليًا، بل رباطًا حيويًا وثيقًا، فيقول في الآيتين 10 و11 من الفصل ذاته من الرسـالة نفسها : ” أَعرِفَهُ وأَعرِفَ قُوَّةَ قِيامتِه والمُشارَكَةَ في آلامِه فأَتمثلَ بِهِ في مَوتِهِ، لَعَلي أَبلُغُ القِيامةَ مِن بَينِ الأَموات “.
3) الإطار الليتورجي
أ) علاقة هذا النص مع النصوص الأخرى
يُنشد اشعيا نشيده الرائع في هذا الأحد (1/25-8)، ويتّصل النشيد بالأحداث المروية مسبقًا في سفره من تدمير المدينة واهتداء الشعوب النائية والانتصار على المتكبرين. ونلاحظ فيه أيضًا مجموعة من الخسارات ” جَعَلتْ مِنَ المَدينَةِ كَومةً ومِنَ البَلدَةِ الحَصينَةِ خَرابًا. قَصرُ الغُرَبَاءِ لم يَعُدْ مَدينة فلا يُبْنى لِلأَبَد “ (آ 2)، مقابل الربح مع الربّ الإله : ” فلِذلك يُمَجِّدُكَ الشَّعبُ القَوِيّ وتَتَّقيكَ مَدينَةُ الأُمَمِ المُخيفة، لأنَّكَ كُنتَ حِصنًا لِلضَّعيف حِصْنًا لِلمِسْكينِ في ضيقِه مُعتَصَمًا مِنَ السَّيلِ ظِلاًّ مِنَ الحَرِّ “ (آ 3و4). فالخسـارة التي يراهـا المؤمن في حياته، تكون ربحًا بإيمانه من خلال نصرة إلهه ووقوفه إلى جانب عبده في وقت ضيقه.
وفي إنجيل (متى 14/17-27)، يُروى لنا حدث الصبي المصاب بالصـرع الذي لم يستطع التلاميذ شفاءه، فنالوا من الربّ عتابًا، ونال الصبي منه شفاءً. فلو كان لديهم إيمان مثل حبّة الخردل، لما كان يعجزهم شيء. ثُمّ يُنبئ يسوع للمرّة الثانية بموته وقيامته. وأخيرًا، يؤدّي الجزية في الهيكل بطريقة عجائبية، فبعد أن يبيّن لبطرس أن الأبناء أحرار وأنهم غير مجبرين على دفع الجزية، ومع ذلك فهو لا يريد أن يكون حجر عثرة، يرسله إلى البحر ليلقي صنّارته وسيلقى في فم أول سمكة استارًا، سيؤدّي به الجزية عنه وعن يسوع.
اعتمد التلاميذ على قدراتهم البشرية فقط في شفاء الصبي، فجربوا الخسارة وعدم القدرة على هذا الفعل. ولكن يسوع يشير إلى حبّة الخردل التي فيهم والتي يمكنهم الاعتماد عليها والفرح بها من أجل صنع أكبر المعجزات. فيدعوهم ضمنيًا بأن يعدّوا كلّ شيء خسرانًا، على حدّ تعبير القديس بولس في رسالته، ويعتمدوا بفرحٍ على إيمانهم بالله. فهو نفسه، يسوع، واجه الخسـران بحريتـه، من خلال آلامه وموته، كما تنبّأ لهم، ولكنه قام من بين الأموات أيضًا ! والمؤمن حرٌ أيضًا على مثال معلمه، حتّى في تأدية الجزية، لكنه يضع هذه الأمور البشرية في كفّة الخسران من أجل الربح الأعظم الذي لا يريد أن يخسره وهو حياته مع أبيه السماوي.
ب) علاقة هذا النص بالصلاة الطقسية
تشيدُ الصلاة الطقسية في هذا الزمن بصليب الربّ الظافر والغـافر، هو الذي كان يُعَدّ أداة عار يُصلب عليها المجرمون، أصبح اليوم علامة المؤمن بالمسيح وأداة مجدٍ وظفر. فما يُعدّونه النـاس خسـارةً وموتًا، هو بصليب المسـيح ربحٌ وقيامة. وندرج هنا ترجمـة إحدى النصـوص وهي صـلاة القانون التـي تمجّد الصليب الذي أعطانا حياة جديدة (كتاب الحوذرا، المجلّد الثالث، ص307 شز) :
” المجدُ لكَ يا مخلّصنـا إذ حررت البرايا بصليبك. واقتنت الأجيال جميعهـا رجاء الحياة المليكة. ويرتّلون المجدَ بأصواتهم لطبيعة سيادتك.
مثل الشمس... أشرق نور صليبك في كنيستك يا مخلّصنا. وتركت الأصنام وركضت إليك بالخوف والحب. وقد صُنع سورًا وحاميًا... إلى وقتِ مجيئك.
صليبك يا رب يكون لنـا سورًا ورجاءً، وبقوتـه ننتصر على الشرير الذي يقترب منّا. وبه يُبطل سلطانه وجميع صنائعه “.
نعم، هذا هو مفعول الصليب في حياة الكنيسة، فقد تركت الأصنام وكلّ شيء وسارت في طريق ربّها وإلهها، لأنه هو ربحها الوحيد وأساس حياتها، وكلّ شيء اعتبرته خسارةً في سبيل أن تربح إيمانها بربّها الذي سينصرها على الشرير وكلّ قواته وأعماله.
4) رسالة هذا النَص لعالمنا المعاصر (تأوين)
إنّ كلمة ” الخسارة “ لا تروقُ لنا، لأننا نفضّل دومًا الربح والنجاح ! ولكن إيمانيًا، يمكننا أن نجرّب الخسـارة، خسارة شهرتنا، اسمنا، صفاتنا التي نحبّ أن تُطلق علينا، كبريائنا، وخسارة كثيرٍ من الأشياء التي لا نتمنى أبدًا خسارتها لأننا كنّا قد أسسنا حياتنا عليها، وجعلنا فرحتنا مبنيةً على هذا الأساس، وكلّ ذلك من أجل المسـيح وربح الإيمان به الذي يكتسب الأولوية في حياتنا. ولكننا في الواقع، نريدُ أن نتبع المسيح دون أن نخسر شيئًا، بل ربما بالعكس، نريد أن نحصل من إيماننا به على كلّ ما نتمناه في حياتنا. وهنا نتذكر الشاب الغني (متى 16/19-26) الذي استصعب الأمر الوحيد الذي ينقصه، وهو بيع كلّ ما يملك واعطاؤه للفقراء واتّباع يسوع. كلنا، على مثال هذا الشاب، لا نتحمّل الخسارة من أجل المسيح، فنذهب حزانى لأننا نملكُ أمورًا كثيرة، ونحن غير مستعدين للتخلّي عنها. ولكننا في الحقيقة لم ندرك أهمية حياتنا عندما تكون مبنية على المسيح، ولو أدركنا ذلك لعلمنا أهمية خسارة كلّ شـيء من أجل ربح المسـيح، لأن في كل ذلك الفـرح الحقيقي الذي لا يستطيع العالم منحه لنا. فهل نحنُ مستعدون اليوم لعَدِّ كل شيء ” نفاية “ من أجل المسيح، كما يقول مار بولس ؟!.