الربُّ يغيّرُ الإنسان (56)
08/11/2017
عيد الميلاد
 الربُّ يغيّرُ الإنسان
(ميخا 1/4-3)
الاب البير هشام نعوم
عيد الميلاد
القراءة الثانية / القداس الإحتفالي
ويكونُ في آخرِ الأيّامِ أنّ جبَلَ بيتِ الربّ يُوطَّدُ في رأسِ الجِبال ويرتَفِعُ فَوقَ التِّلال وتجْري إليه الشعوب وينطَلِقُ أُمَمٌ كثيرونَ ويقولون : هلمُّوا نصعَـدْ إلى جبلِ الربّ وبيتِ إلــهِ يعقوب. وهو يُعلِّمُنـا طُرُقــَهُ فنسـيرَ في سُبُلِهِ. لأنّها من صِهْيونَ تَخرُجُ الشريعة ومن أُورَشَليم كلِمَةُ الرَّبّ. ويحكمُ بين الشُّعوبِ الكثيرين ويَقْضي للأُمَمِ الأقويـاء حتّى في البعيد، فيضرِبونَ سُـيوفَهم سِـكَكًا ورِماحَهم مَناجـِل. فلا تَرفَعُ أُمَّـةٌ على أُمَّـةٍ سَـيفًا ولا يَتَعلَّمونَ الحربَ مِن بَعد.
(ميخا 1/4-3)

1) الإطار التاريخي الذي ورد فيه نـــــَص (ميخا 1/4-3)
سـفر ميخا، أحد أسـفار الأنبياء الأثني عشـر الملقّبين بـ ” الصِغار “. سـفرٌ قصير (7 فصول) يُنسب تأليف معظمه إلى ميخـا المورَشْتِي الذي عاش في القرن الثامن ق.م، أما الباقي فيُعتقَد أنه يعود إلى زمن مـا بعـد السـبي إلى بابل، أي في القرن السـادس ق.م. ويساعدنا العلماء على تمييز ” ميخا “ النبي الذي كتب هذا السـفر، و” ميخـا “ الذي يذكره سفر الملوك الأول، عندما طلب يوشافاط من ملك إسرائيل أن يسأل الربّ : هل يمضي إلى القتالِ أم يمتنع ؟ وإن بقي هناك نبيٌ للرب فيسألُهُ بواسطتِه ِ؟! فأجابه ملك إسرائيل : ” إنّه لا يزال رجلٌ واحد نسألُ الربّ بواسطته، ولكنّي أُبغِضُهُ لأنّه لا يتنبّأ عليّ بخيرٍ، بل بِشَرٍ، وهو ميخا بن  يملة “ (1 ملوك 8/22 = 2 أخبار 7/18).
” الإيمان “ في حياته، فقبل الإيمـان كنّا محبوسـين بحكمِ الشـريعة، وكانت الشـريعة هي
الطريق التي تقودنا إلى المسيح ” فلما جاء الإيمان (صار التغيير)، لم نبقَ في حُكمِ الحارس، لأنّكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع... “ (25/3). بنوّتنا لله هي التي تجعلنا نشعر بأخوّتنا تجاه بعضنا البعض، وهذه الأخوّة هي إحدى مفاعيل الله فينا من خلال الإيمان به : ” فإنكم جميعًا، وقد اعتمدتم في المسيح، قد لبستم المسيح : فليس هناك يهودي ولا يوناني، وليس هناك عبدٌ أو حر، وليس هناك ذكرٌ وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسـيح يسـوع “ (آية 27 و28). ويعبّر بولس عن هذا التغيّر أيضًا من خلال مثل الوارث القاصـر، الذي مع أنه صاحب المال كلّه، إلا أنه تحت حكم الأوصيـاء. وهذا هو حالنا، إذ إننا كنا عبيدًا تحت سيطرة قوى العالم إلى أن تمّ الزمان وغيّرنا الله، إذ ” أرسل ابنه (يسوع) مولودًا لامرأة... “ (4/4). وما هو الدليل على كل هذا ؟ ” الدليل على كونكم أبناء أن الله أرسل روح ابنه إلى قلوبنا، الروح الذي ينادي ” أبّا “، ” يا أبتِ “ (6/4).
ميلاد يسـوع المسـيح الذي يبشِّر به القديس لوقا في إنجيله (1/2-20) هو أعظم حدث مغيِّر للإنسـانية على الإطلاق في تاريخ البشـرية، لا بل إنهـا ” بشرى سارة “ (وهذا هو معنى كلمة ” إنجيل “)، بحسـب كلام الملاك للرعـاة الفقراء : ” لا تخافوا، ها أنا أبشّركم بفرحٍ عظيـم يكـون فرحَ الشـعب كلّـه : وُلِدَ لكـم اليوم مخلّص، في مدينـة داود، وهـو المسيح الربّ “ (آية 10و11). فكان الرعاة أول شهودٍ على التغيّر الذي فعله ميلاد المخلّص في حياتهم، إذ ” رجعوا وهم يمجّدونَ الله ويُسـبّحونه على كلّ مـا سـمعوا ورأوا كما قيلَ لهم “ (آية 20).
إنّ قصّة الخلاص الرائعة التي يرويها لنا الكتاب المقدّس بعهديه، ليسـت إلا قصة تغيير البشرية في كلّ مرة من حالِ الخطيئة إلى حالة النعمة، إلى حياةٍ أفضل، وهذا هو أكبرُ دليل على عمل الله في تاريخنا. محبتُه للبشرية غيّرت، وما زالت ولن تزال تغيّر نفوس كثيرين ليعيشـوا حياةً ملؤهـا السـعادة والخير. فلْنُعِدْ قراءة كتابنـا المقدس بعينٍ جديدة قد تغيّرت، فنكتشف فيه كل التغيّرات التي أجراها ربّنا من خلال الإيمان به. إنها دعوة تتمنى من يقبلها بإيمان وصدق !
ب) علاقة هذا النَص بالصلاة الطقسية
قرأ آباؤنـا الكتاب المقدس عِبر الأجيال، وآمنوا بكلام الله الذي غيّر حياةَ شـعبه وحياة أناسٍ كثيرين كما تروي أحداث الكتاب، فغيّرهم إيمانهم وأرادوا بدورهم أن يشعّوا نور التغيّر هذا لكل الأجيال المقِبلة، وخصوصًا من خلال صلواتهم التي يرفعونها لله ليشكروه على هذه النعمة، ويدعوننـا لنرفعهـا معهم ونعايشـها في حياتنـا. وهذه واحـدة من هذه الصلوات (ؤلوِّةِّا) التي كانوا يتلونها، وما زلنا نتلوها نحنُ، بمناسبة عيد الميلاد المجيد، تعبّر عن تغيّرنا بمجيء مسيحنا المخلّص، هذا نصّ ترجمتها (حوّدرِا، المجلد الأول، ص شك) :
” أيّها المولود المجيد الذي وُلِدَ وخلّص جنسنا من عبودية الموت، وأنارَ قلوبَنـا بنور معرفتِهِ البهي، وعلمّنا أن نعظمه هو وحده على عِظم مولده. وأهّلنا مع المجوس والرعـاة الذين أتوا ليسجدوا له، أن نحتفل بألحان التسابيح بعيد ميلاده. وجعلنا نعرفه وبه نؤمن. ... نتضرع ونسأل ونطلب منك، أن تقبل منا الصلوات المقدمة أمـام عرشِ ربوبيتِكَ ... وأهّلنا لنقوم أمامكَ بقلبٍ طاهر لنخدمك ونحتفل بك في عيد تدبيرِكَ.. “.
يا لبساطة وعمقِ التعابير التي استخدمها آباؤنا في التعبير عن إيمانهم بربّهم، دعونا نتعلّمْ منهم هاتين الصفتين في التعبير عن التغيّر الذي مسّ حياتنا في علاقتنا مع الربّ !
رسالة هذا النـــَص إلى عالمنا المعاصر (تأوين)
هل راجعنا أنفسنا وحياتنا يومًا ما ؟! وهل شعرنا من خلال هذه المراجعة بأن حياتنا قد تغيّرت مرةً أو مرّتين أو أكثر ؟! ما الذي أسهم في تغييرهـا ؟! وما هو تأثير علاقتنا بالله في هـذا التغيّر ؟! هل نؤمن بأن الله يغيّرنـا نحو الأفضل ؟! هل اختبرنـا هذا التغيّر في حياتنـا ؟! وهل أحسـسنا بأن التغيّر الذي يُحدثُهُ الله فينـا أعمق وأثبت مـن أي تغييرات أخرى قد تطرأ على حياتنا بسبب ظروف الحياة العادية ؟!... إلخ.
فلنجبْ عن هذه الأسـئلة بصدق على ضوء إيماننـا بالربّ الذي يغيّر النفوس والقلوب. نعم، إن الربّ يغيّر الإنسان بفعل محبته العظيمة له، هذه المحبة التي كانت سبب تجسّد ابنه يسوع المسيح، وهو ما نحتفل به في عيد ميلاده المجيد. الربّ يغيّر كل شيء ليجعله متّجهًا للخير والحقيقة، ويبتعـد عن طرق الشـرّ، فميخـا يقول عن شـعبه الذي تغيّر بفعل إيمانه بالربّ : ” يضربون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل، فلا ترفعُ أمةٌ على أمةٍ سيفًا، ولا يتعلّمون الحربَ من بعدُ “ (3/4). لقد تغيّروا فتحولت سيوف ورماح الشرّ فيهم إلى سكك ومناجل الخير.
وأعظم رجاء وتعزية لأبنـاء جيلنا اليوم، بأن إلهنـا لا يزال يعمل في كلّ من يؤمن به ” بأنواعٍ كثيرة وطرقٍ شتّى “ (عبرانيين 1/1) ليغيّر حياته نحو الأفضـل، بشـرط أن يكون الإنسـان واثقًـا به ومؤمنًا بالتغيّر الذي يفعلـه. جـاء المسـيح لكي بروحه ” يجدّد وجـهَ الأرض “، كما تقول الترتيلة المعروفة، فلنجدد ونغيّر حياتنا به لتسير بحسب إرادته. وليكن عيد الميلاد هذا فرصةً للتغيّر نحو السلام والخير والتوجّه نحو إلهنا كلّ حين.