عيد الآباء العدد (63)
02/07/2014
نشأة ” عيد الآباء “ في بلاد الرافدين وانتشاره في العالم كله
                                                                      عيد الآباء
                                                                                                                                        Happy 
                                                                                                                                      Father's
                                                                                                                                    Day


نشأة ” عيد الآباء “ في بلاد الرافدين وانتشاره في العالم كله 
حصلت الأم على الإعتراف بتضحياتها منذ عقود عديدة، فخُصصَ لها يوم (21) آذار من كل سنة للإحتفال بعيدها، سميت هذه المناسبة بـ ” عيد الأم “ ؛ يحتفل بها أعضـاء الأسـرة من خلال مظـاهر الإكرام ومشاعر المحبة الدافئة وعرفان الجميل، يعبّرون عنها من خلال كعكة العيد المزيّنة بالشـموع الزاهية، تقصّها الأم وسـط الأهازيج وأغاني خاصة تشيد بحنان الأم وبدورها في حياة الأسرة، ثم يعانقها كل فرد من أفراد الأسرة بحرارة، مقدمًا لها هدية خاصة.
ينتابنا الإستغراب بسـبب غياب يوم خاص في بلادنا، يحتفل به أبناء شعبنا بـ ” عيد الأب “، ليعبّروا عن محبتهم البنوية لمن أنجبهم وتعب كثيرًا ليوفر لهم مستلزمات الحياة المادية والثقافية والروحية، أي : لقـمة العيش والسـكن المريح والمدارس … الخ ؛ فلا تهـاني ولا هدايـا تقدم للأباء في يوم معيّن مخصص بهذه المناسبة.
يشتد استغرابنا كثيرًا حين نعرف أن ” عيد الآباء “ نشأ في بلاد الرافدين منذ الآف السنين وانتشر في معظم بلدان العالم.
ترتقي جذور ” عيد الآباء “ إلى ما قبل (4000) أربعة الآف سنة في مدينة بابل القديمة ؛ إذ حفظت لنا الآثار البابلية لوحة مصنوعة من الفخار، كتب عليها شاب كلداني اسمه إيلميسو  Elmesuبضعة سطور عبّر فيها عن مشاعره البنوية لأبيه، متمنيًا له الصحة والعافية والعمر المديـد، شـاكرًا لـه أتعابـه وتضحياتـه في سـبيل إعالتـه وتربيته، وأهدى هذا اللوح لأبيه.
تطـورت هـذه المبـادرة وانتشـرت في المسـكونـة، إذ خصـص أفـراد الأسـرة يومًا لتكريم أبيهـم، وذلك في معظـم بلـدان العـالم. إلاّ أن البلـدان المختلفة لم تُجمِع على تحديد يوم معين واحد لهذه المناسبة. ففي بلدان الشعوب الكاثوليكية كاسبانيا وايطاليا والبرتغال وبوليفيا، يحتفلون بـ ” عيد الأب “ منذ العصـر الوسـيط بتاريخ (19) آذار من كل سنة، لأنهم يحتفلون في هذا اليوم بعيد القديس يوسف، مربي يسوع المسيح وأبيه أمام الشريعة الموسوية؛ كما انتشـر عيد ” الآب “ في سـائر بلدان العالم بتواريخ مختلفة، نذكر بعضًا منها :
في المانيا، يحتفلون بـ ” عيد الآباء “ يوم عيد صعود يسوع المسيح إلى السماء، وجعلوه عطلة رسمية.
في استراليا، يحتفلون بـ ” عيد الآباء “ في الأحد الأول من شهر آب.
في الدانيمارك، يحتفلون به في اليوم الخامس من شهر حزيران لأنه عيد إعلان الدستور.
في الولايات المتحدة الأميريكية، يحتفلون به في 19 حزيران منذ عام 1910.
في اليابان، يحتفلون به في الأحد الثالث من حزيران.
في المملكة المتحدة ( البريطانية )، يحتفلون به في الأحد الثالث من حزيران.
في مصر ولبنان وسوريا، يحتفلون به بتاريخ 21 حزيران.
نقترح أن نحتفل نحن بـ ” عيد الآباء “ يوم (19) آذار، لأنه عيد القديس يوسف مربي يسوع المسـيح وأبوه أمـام ناموس موسى، ولأنه قريب من ” عيد الأم “ الذي نحتفل به في (21) آذار.
تماثل جهود الآباء وأتعابهم، وجهود الأمهات وأتعابهن
يجب أن نحتفل بـ ” عيد الآباء “ كما نحتفل بـ ” عيد الأمهات “ لأن جهود الآباء وأتعابهم تماثل جهود الأمهـات وأتعابهن، لا بل إن معانـاة الآبـاء قد تكون أكبر من معاناة الأمهات أحيانًا.
في الماضي، كانت مسـؤولية الآبـاء تقتصر على توفير المـال والمسـتلزمات المعاشـية، لذا كانوا يقضـون معظم أوقاتهم في أمـاكن عملهم : في الدوائـر وفي الحقول.... الخ، أي خارج البيت ؛ أما مسؤولية تنظيم الشؤون المنزلية كرعاية الأطفال وإعداد الطعام وغسل الثياب، كانت تضطلع بها الأمهات، اللواتي كنّ يقضين معظم أوقاتهن في البيت. ولربمـا كانت تظهر جهـود الأم وأتعابهـا أكثر إرهاقًا من الجهود والأتعاب التي كان أب الأسرة يبذلها.
ولكن اليوم قد تغيّرت الأوضاع تغيّرًا كبيرًا في عصرنا. لأن معظم الزوجات يعملن خارج البيت ليسهمن في كسب لقمة العيش ؛ فتغيّر نمط الحياة العائلية كثيرًا، لأن غياب الزوجات العاملات فرض على الأزواج واجبات اضافية ؛ إذ عليهم أن يسهموا في إدارة شؤون البيت ويتعاونوا مع الزوجات في مختلف الأعمال المنزلية، كالإهتمام بالأطفال وإعداد الطعام وغيرها، هذا بالإضافة إلى أعمالهم الإعتيادية في أماكن عملهم.
ان هذا الوضع الجديد، قد يرهق أحيانًا كثيرة كواهل الآباء أكثر من الأمهات. لأن هناك تفهّم لدى أرباب العمل ورؤساء الدوائر وفي القوانين المدنية إزاء الزوجات العاملات، إذ تُمنح لهن إجازات خاصة بالأُمومة ولرعاية الأطفال حينما يمرضون، وغير ذلك...... ؛ وهناك عدم تفهم وعدم تقدير لدى أرباب العمل ورؤساء الدوائر وفي الأنظمة ازاء أوضاع الآباء والتزاماتهم العائلية الجديدة، فلا يُمنحون إجازات إذا ما كان عليهم القيام بواجب الإعتناء بالأطفال في حالة غياب الأمهات بسبب عملهن، انهم يحتاجون إلى إجـازة من العمل لأخـذ المرضى من أطفـالهم إلى الطبيب، قد يضطرون أحيانًا إلى فعل ذلك خلسًة.
يجد الآباء صعوبات جمّة للتنسيق بين الواجبات التي تفرضها عليهم مسؤولياتهم في أماكن عملهم وبين مسؤولياتهم البيتية، كيف يمكن أن يكون الرجل أبًا صالحًا وعاملاً جيدًا في آن واحد؟
لا يأخذ أرباب العمل بنظر الإعتبار مسؤوليات الآباء البيتية، ناسين أو متناسين أن العاملين عندهم هم قبل كل شئ آباء من لحم ودم، وقبل أن يكونوا عمّالاً أو معلمين، عليهم أن يربوا أولادهم ويسهروا عليهم ويكدّوا ليعدوا لهم مستقبلاً باهرًا.
يحتـاج الأولاد، خاصـة الأطفـال منهم والمراهقين إلى حضور الأب معهم، إذ لا تستطيع الأم بمفردها القيام بهذا الواجب، على الآباء أن يخصصوا لأولادهم الوقت الضروري لتربيتهم، من خلال مساعدتهم في دروسهم، ومشاركتهم ألعابهم والقيام بنزهات معهم أيام العطل، ومناقشة امور البيت معهم.
على الآباء أن يكونوا صريحين مع أولادهم إزاء الأخطاء التي يقومون بها، مثال ذلك : إذا كان الأب مدخنًا، فلئلا تنتقل عدوى هذه الرذيلة إلى الأولاد، عليه أن يعبّر لهم عن أسفه لوقوعه في هذه العادة السيئة ويطلعهم على الجهود التي يبذلها للإقلاع عنها.
أفلا يستحق الآباء أن يخصص لهم عيدٌ خاصٌ ليعبر الأبناء لهم عن محبتهم البنوية، مقدمين لهم الهدايا والزهور، منظمين عيدًا عائليًا بقص كعكة العيد وسط الأهازيج والأغاني ؟
الأب الأرضي صورة للآب السماوي
يقدم لنا يسوع المسيح في الإنجيل المقدس الصفات التي يتحلى بها الأب الأرضي من حنان ورقة ورعاية وتسامح تجعله صورة للآب السماوي، لأن حنانه الأبوي هو شعاع من حنان الآب السماوي.
يشير يسوع في أماكن عديدة من الإنجيل إلى الله باسم ” الأب “، مثال ذلك : تبدأ الصلاة الوحيدة التي علمنا اياها يسوع بمناداة الله أبًا : ” أبانا الذي في السـماوات.. “ ” لا تقلقوا قائلين : ماذا نأكل ؟ أو ماذا نشرب ؟ أو ماذا نلبس … فأبوكم السماوي عالم بأنكم تحتاجون إلى هذا كله... “ (متى 31/6-33) ؛ ” إذا كنتـم، مع مـا أنتم عليه من الشـر، تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأبنائكم، فكم بالأحرى أبوكم السماوي يمنح الصالحات للذين يسألونه “ (متى 11/7) ؛ ويقول القديس يوحنا : ” انظروا بأية محبة خصّنا الآب حتى نُدعى أولاد الله، ونحن في الواقع كذلك “ (1 يوحنا 1/3).
يقول ” كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي “ ما يأتي : ” عندما تشير إلى الله بإسم ” أب “ فإن لغة الإيمان تدل إلى معنيين : إن الله مصدر كل شئ وسلطة سرمدية، وانه في الوقت نفسه، عطف ورحمة ومحبة نحو جميع أولاده.. (239).
فالله إذن مصدر الأبوة البشرية، والصفات الأبوية السامية التي يتحلى بها الأب البشري ينبوعها أبوة الله، وهذا يظهر أيضًا في مَثَل ” الأب الشفوق “ الذي ضربه يسوع (لوقا 11/15-22).
ففي مَثََل ” الأب الشفوق “ الذي يسمونه أحيانًا مَثَل ” الإبن الضال “ عبّر يسوع عن مشاعر الأب الأرضي تجاه ابنه الضـال التائب والعائد إليه من خلال الفقرة الآتيـة : ” وكان (( الإبن الضال )) لم يزل بعيدًا إذ رآه أبوه، فتحركت مشاعره وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبّله طويلاً “. فلا عتاب ولا توبيخ، بل حنان ورقّة وغفران وفرح، بعودة الإبن الضال. ” فقال الأب للخدم : أسرعوا فهاتوا أفخر حلّة وألبسوه، واجعلوا في إصبعه خاتمًا وفي رجليه نعلين، وآتوا بالعجل المسمّن واذبحوه، فنأكل ونتنعم فأخذوا ينعمون... “.
يمثل هذا الأب الأرضي الذي فرح بعودة ابنه الضال الآب السماوي الذي يفرح بأبنائه الخطأة، كمـا يقول يسـوع : ” هكذا يكون فرح في السـماء بخاطئ واحد يتوب “ (لوقا 7/15).
ما أروع لوحة الفنان الشهير رمبراندت Rembrand التي تمثل عودة الإبن الضال، وتعبّر أحسن تعبير عن صفات الآب السماوي والآب الارضي، والتي تجمع بين القوة والجدية في تربية الأولاد وتقويم أخطائهم والحنان والمحبة في استقبالهم عند عودتهم واهتدائهم : فالأب يحضن إبنه كما تحضن الأم رضيعها، والإبن يسند رأسه إلى أحشاء والده، كالولد الصغير في حضن امه. ومن روائع هذه اللوحة : يدا الأب اللتان يضعهما على كتفي ولـده، فاليد اليُسـرى هي يد الرجولة، فيها القوة والخشونة، واليد اليمنى هي يد الأنوثة فيها الرقّة والحنان والنعومة.
أراد الفنان أن يعبّر عن مشاعر الأب السماوي، ومشاعر الأب الأرضي : فأشار بهاتين اليدين إلى القوة والجدية والحزم في تربية الأولاد الخطأة وإلى الحنان والغفران والتسامح في قبولهم عند عودتهم 
أسرد حادثة تعبر تعبيرًا رائعًا عن حنان الأب ورقته، التقيت شابًا عبّر لي عن إعجابه بوالده، الذي شمله واخوته واخوانه واخواته بمحبة ورعاية منقطعة النظير بعـد وفـاة امهم، رافضـًا الإرتباط بامرأة اخرى مضحيًا بسعادته ليتفرغ لتربية أولاده.
أفلا يجدر بنا أن نقيم عيدًا خاصًا لإكرام الأب، يعبّر فيه أفراد الأسرة عن مشاعرهم الدافئة تجاه من تعب في تربيتهم، يتضمن تقديم الهدايا وكعكة العيد والزهور، على غرار عيد الأم، ان هذه البادرة تقوي العلاقات العائلية، وتجعل السعادة والفرح يسود في البيت.
فما أحلى أن يُحتَفَل بـ ” عيد الأب “ بتاريخ 19 آذار، أي في عيد مار يوسف، وبـ ” عيد الأم “ بتاريخ 21 آذار.