متى نستيقظ من رقاد الموت ؟ العدد (61)
02/07/2014
تدعونا كنيسة المشرق الكلدانية - الآثورية، خلال صلاة المساء الطقسية، التي نقيمـها عشـية السـبت العظيم رمشا دشبت ربت، أن نتأمـل بالاحداث المـؤلمة التي جرت أثناء صلب يسـوع، عبر الألحان الليتورجيـة وقراءات الكتاب المقدّس، وخاصة قراءة النص الإنجيلي المسـتقى من بشـارة القديس لوقا (36/22-53/23).
                                                                  متى نستيقظ من رقاد الموت ؟

تدعونا كنيسة المشرق الكلدانية - الآثورية، خلال صلاة المساء الطقسية، التي نقيمـها عشـية السـبت العظيم رمشا دشبت ربت، أن نتأمـل بالاحداث المـؤلمة التي جرت أثناء صلب يسـوع، عبر الألحان الليتورجيـة وقراءات الكتاب المقدّس، وخاصة قراءة النص الإنجيلي المسـتقى من بشـارة القديس لوقا (36/22-53/23).


من هذه الاحداث الخطيرة التي جرت على قمة جبل الجلجلة، الكلمات التي تلفظ بها اللصان المصلوبان مع يسوع، الواحد عن يمينه والآخر عن يسـاره ؛ وبخاصة الحديث الذي دار بيـن اللص التائب وبين يسـوع. فلقد إنضمَّ أحد المجرمَين المعلقَين إلى جوقة المجدفين على يسوع قائلاً : ” الستَ المسيح ؟ فخلِّص نفسك وخلصنا “، هكذا إنغمس هذا التعيس في حمأة خطيئته حتى اللحظة الاخيرة من حياته ؛ إلاَّ أنّ اللصّ الآخر عبّر عن ندامته واهتدائه وإيمانه بيسوع، مؤنّبًا زميلهُ قائلاً : ” أَوما تخاف الله، وأَنت تعاني العقاب نفسه ! أما نحن، فعقابنا عدلٌ، لأننا نلقى ما تستوجبه أَعمالنا، أما هو فلم يعمل سوءًا “، ثم قال ليسوع : ” أُذكرني يارب متى جئتَ في مـلكوتك “، فقـال له يسـوع : ” الحقَّ أَقـول لك، اليـوم سـتكون مـعي في الفردوس “ (لوقا 39/23-43).
إن قول يسـوع للّص التائب ” اليوم سَـتكونُ مـعي في الفـردوس “ يثير لدينا تساؤلات حول مصيرنا ما بعد الموت : فنتساءل عن حَتمية قيامة الأموات، وعن معنى ” قيامة الأموات “، وعن كيفية ” قيامة الأموات “ وعن ” موعد قيامة الاموات “ ؛ وذلك على ضوء تاكيد يسوع لهذا اللص السعيد، بأنه سيتمتع بالخلاص وبالسعادة الأبدية معه في هذا اليوم نفسه، أي بعدما يغمض عينيه على نور هذا العالم حالاً.
نحاول الاجابة عن هذه التساؤلات المصيرية، مستندين إلى وحي الله الوارد في الاسفار المقدّسة وإلى تعليم الكنيسة المقدّسة الوارد في وثائقها الرسمية وإلى مؤلفات كبار اللاهوتيين مستقيمي الإيمان.
” أَنا القيامةُ والحياة “
أَكّّدَ يسوع مرارًا حتمية قيامة الموتى، فنراه يبيّن للصدّوقيين الذين لا يؤمنون بالقيامة، أَنهم على ضَلالٍ مبين، لأن القيامة ترتكز على الإيمان بالله نفسه، الذي ليس هو إلهَ أمواتٍ بل إلهُ أَحياء، قائلاً لهم : ” أَمّا أنّ الأموات يقومون، أفما قرأتم في كتاب موسى، عند ذكر العليقة ؟ كيف كلّمه الله فقال : ” أَنا إلهُ إِبراهيم وإلهُ إسحق وإلهُ يعقوب. وما كانَ إلهَ أموات، بل إلهُ أَحياء، فانتم في ضَلال كبير “ (مرقس 26/12-27).
إن أَسـاس رجائنا بقيامة الموتى هو قيامـة المسـيح نفسها، كما يؤكد القديس بولس قائلاً : ” كيف يقول بعضكم : إنه لا قيامة للأموات... فإذا كان الأمواتُ لا يقومون، فالمسيح لم يقم أيضًا... كلاّ ! إنّ المسيح قد قامَ من بين الأموات، وهو بكرُ الذين ماتوا “ (1 قورنثس 12/15-20).
ربط يسـوع الإيمـان بالقيـامـة بشـخصه هو قائلاً : ” أَنا القيـامةُ والحيـاة، فمـن آمـن بي، وإن مـات فانه سيحيا “ (يوحنا 25/11). إن يسوع نفسه هو الذي سيقيم الذين آمنوا به إذ قال : ” إن كل من رأى الابنَ وآمن به، كانت له الحياة الأبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الاخير “ (يوحنا 40/6) ؛ ولقد أَعطى عن ذلك علامة وعربونًا بأن أعاد الحياة لبعض الموتى، فلقد أحيا إبنة يائيرس (مرقس 21/5-24). وإبن أَرملة نائين (لوقا 11/7-17) ولعازر (يوحنا 11).
تستند الكنيسة في ممارسة الصلاة مِنْ أجل الموتى على الرجاء المسيحي لقيامة الموتى، فمنذ أوائل عهدها عبّرت عن إيمانها بقيامة الأموات عندما تُصلي من أجل الأموات وتذكرهم في كافة احتفالاتها الليتورجية.
إن الإيمان بقيامة الأموات أَمرٌ معقول جدًا، يستند إلى توق الإنسان المنقوش في أعماقه إلى حياة وسعادة لا متناهيتين، لا يمكن لحياة الأرض أن تشبعها. إن الإنسان في طبيعته صرخةٌ نحو الخلود والحياة الأبدية ؛ ولقد عبّرت كافة الحضارات عن هذه الحاجة المنقوشة في أعماق الإنسان، فهيذي قبور الفراعنة في مصر وقبور الكلدانيين والآشوريين القُدامى في بلاد الرافدين تعبر عن هذا الشوق، فلا يمكن أن يكون هذا الشعور العام والتوق الشامل نحو الخلود لدى البشرية كاذبًا.
” هكذا نكون مع الرب دائمًا أَبدًا “
ثم نتساءَل ما معنى أننا نستيقظ من رقاد الموت ؟ نستقي الجواب عن هذا السؤال من كلام يسوع نفسه للّص التائب : ” اليوم ستكون معي في الفردوس “. تعني القيامة إذن الإنسان حالما يترك هذا العالم الأرضي يحيا مع الله في سعادة كاملة.
قال يسوع في صلاته إلى أَبيه السماوي : ” يا أَبت، إنّ الذين وهبتهم لي، أَريدُ ان يكونوا معي حيث اكون أَنا “ (يوحنا 24/17).
كل الذين كانت حياتهم حياةَ قداسة ومحبة الله والقريب، جوابًا لمحبة الله للإنسان، سيتحدون بالله، ويحيون مِن حياته ؛ انهم يقومون بعد موتهم ليعيشوا مع الله ومن حياة الله، سوف لن يكون الموت تلاشيًا.
نجد في كتاب ” اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر “  للأب سليم بسترس 
شرحاً لمعنى عبارة ” نحيا مع الله “ :
” الحياة مع الله : في هذا التعبير نلجأ إلى الاسلوب الوجودي ” هكذا نكون مع الرب دائمًا أبدًا “ (1 تسـالونيقي 17/4)، ” هوذا مـسكن الله مع النـاس، فسيسكن معهم، سيكونون شعوبه وهو سيكون (الله معهم) “ (رؤيا يوحنا 3/21).
أن يكون إنسان مع شخص آخر ويحيا معه، هذا هو فرح الحضور واللقاء، وان يكون الله مبدأ كيانه وغاية وجوده، هذا هو أَقصى السعادة في هذا الدهر وفي الدهر الآتي “
” تلك العلاقة نعبِّر عنها أَيضًا مستخدمين أسلوب المماثلة، فنشـبّه حياتنا مع الله بالالفة البشرية، التي تجمع بين الآب وأبنائه، فنصير على مثال الله، ونعرفه كما يعرفنا “ كما يقول القديس يوحنا : ” ايها الاحباء، نحن منذ الآن أَبناء الله ؛ لم يظهر بعدُ ما سنصير إليه، غير أَنّا نعلم : أَننا نصبح عند ظهوره أَشباهه “ (1 يوحنا 2/3).
” يستحيل علينا إدراك هذه الحقيقة إدراكًا واضحًا بحواسنا، وحتى بعقولنا. هذا ما إختبره الصوفيون المسـيحيون عبر الأجيـال، إذ أَدركوا أن مـعرفة الله هي معرفة بالإيمان، وهي أَشبه بتلمّس وبحث في ظلمة الليل “(1).
” كيف يقوم الأموات ؟ وفي أَي جسدٍ يعودون ؟ “
سـأل المسـيحيون الأولون عن حالة الإنسـان بعد الموت قائلين : ” كيف يقوم الأموات، وفي أَي جسد يعودون ؟ “ (1 قورنثس 35/15).
لا زال المسيحيون يطرحون السؤال ذاته منذ أَلفي سنة، ولابدَّ من الأجابة عنه، علّنا نجد في الجواب الطمأنينة والراحة.
أجاب يسوع على السؤال الأول” كيف يقوم الأموات ؟ “ بقوله : ” عندما يقوم الناس من الموت، فلا الرجال يتزوجون ولا النساء يُزوَّجنَ، بل يكونون مثل الملائكة في السماء “. ( مرقس 18/12-27).
ويجيب قانون إيمان الرسل، الذي يرتقي عهده إلى ما قبل القرن الرابع، على السؤال الثاني : ” في أي جسد يعودون ؟ “ بقوله : ” نؤمن بقيامة الاجساد “.
ماذا تعني كلمة ” الجسد “ في الكتاب المقدّس وفي تعليم الكنيسة ؟ هل أنها تشـير إلى هذا الكـائن المـادي المكـوّن من لحـم وعظـام ؟ وبعبارة أَخرى، هل تعني ” الجثّة “ ؟ 
يجيب كتاب ” التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية “ عن هذا السؤال قائلاً : 
” 990 - لفظـة ” الجسد “ تعني الإنسـان من حيث وضـعه الضعيف المائت. ” وقيامة الجسد “ تعني أَنه بعد الموت لن يكون حياة للنفس الخالدة فقط، ولكن حتى ” اجسادنا المائتة  ستعود إلى الحياة “ (رومية 11/8).
يقول اللاهوتيان كارل راهنر وهربرت فورغريمار في كتابهما ” معجم اللاهوت الكتابي “ ما يأتي : ” لكي نفهم قيامة الموتى فهمًا كاملاً علينا أن نعي أن الجسد في الكتاب المقدّس يعني الإنسان في حقيقته الجسدية، انما في الإنسان في وحدته عينها بعد التعددية، نجده في أَبعاد عديدة (مادة وروح، طبيعة وشخص، فعل وانفعال إلخ...) “ (2) 
يقول كتاب ” المسيحية في عقائدها “ الذي أَسهم في وضعه الكردينال يوسف راتسنغر (قداسة البابا بندكتوس 16) : ” في الموت، يموتُ الإنسان كله، وأبن الله يخلقه خلقًا جديدًا في نهاية الازمنة “ (3).
لكي نفهم معنى قيامة الجسد، يدعونا ” كتاب التعليم للكنيسة الكاثوليكية “ ان نتطلع إلى جسد يسوع القائم من الموت قائلاً : 
999 - لقد قام المسيح في جسده الخاص : ” أُنظروا يديَّ ورجليَّ ؛ فاني أَنا هو “ (لوقا 39/24). لكنه لم يَعُد إلى حياة أَرضية. على هذا النحو، فيه، ” سيقوم الجميع، كلٌ بجسده الخاص الذي له الآن “، غير أنّ هذا الجسد سيتحول إلى جسد على صورة جسد المسيح، إلى ” جسد روحاني “ (ا قورنثس 44/15).
كيف يكون هذا التحول ؟
يجيب الأب سليم بسترس في كتابه آنف الذكر قائلاً : ” هذا أَمرٌ يتعلّق بالعالم غير المحسوس الذي يتخطّى المادة والزمن، الذي لا يمكن لعقلنا المقيّد بالمادة والزمن أن يدركه ادراكًا واضحًا. لذلك يلجأ بولس إلى تشابيه وتصاوير يستقيها من عالم المادة والحواس، فيشبّه تحوّل الجسد بتحوّل حبة الحنطة(4). قائلاً : 
” رُبَّ قائل يقول : ” كيف يقومُ الأموات ؟ وفي أيَّ جسد يعودون ؟ “ يا جاهل ! ما تزرعه أَنتَ لا يحيا إلاَّ إذا مات. وما تزرعه ليس هو الجسم الذي سيكون، بل مجرد حبّة من الحنطة، مثلاً، أو غيرها من البذور. إلاَّ أن الله يؤتيها جسمًا على ما يريد، لكل من البذور جسمًا خاصًا... هذا شأن قيامة الأموات : يكون زرع الجسم بفساد والقيامة بغير فساد. يكون زرعُ الجسم بهوان والقيامة بمجد، يكونُ زرعُ الجسم بضعف والقيامة بقوة، يُزرعُ جسم بشري، فَيقوم جسمًا روحيًا “ (1 قورنثس 35/15-38، 42-44).
متى يقومُ الأموات ؟ 
نجد فكرةَ الجزاءِ المباشر بعد الموت في قول الرب يسوع للص التائب : ” اليوم ستكون معي في الفردوس “.
يلمح يسوع في مثل لعازر والغني إلى الجزاء لكل إنسان حالاً بعد الموت بقوله : ” مات المسكين، فحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، ثم مات الغني ودُفن، فرفع عينيه... فرأى إبراهيم عن بعد ولعازر في حضنه... “ (لوقا 19/16-31).
هذا ما أَكده يسوع المسيح نفسه بوضوح قائلاً : ” الحقّ الحقّ أقول لكم، إنها تاتي ساعة، وهي الآن، حينما يسمع الأموات صوت آبن الله، والذين يسمعون يحيون... “ (يوحنا 25/5-29).
يقول القديس بولس في رسالته إلى أَهل قورنتس إن أَجساد الأموات تتحول بلحظة إلى أَجساد غير فاسدة : 
إني أقول لكم سرًّا : إننا لا نموت جميعًا، بل نتبدل جميعًا، في لحظة وطرفةِ عين... يقوم الأموات غير فاسدين ونحن نتبدّل... “ (1 قورنثس 51/15-53).
لكي نتمكن أن ندرك هذا الامر يجب أن نتذكر ان قيامة الموتى وحياتهم في 
الدهر الآتي ليستا مقيدتين بابعاد هذا العالم، أي بمقاييس الزمان والمكان، بل تتحرران من أبعاد الزمان والمكان، فلن يكون ” أمس واليوم وغدًا “ بل حاضر دائم أبدي وفي كل مكان.
وهذا ما ندركه حينما نتطلع إلى يسوع القائم من بين الأموات، فلقد أكد انه تحرر من قيد الزمن بقوله لتلاميذه : ” هأنذا معكم طول الايام “ (متى 20/28). ولم يعد يسوع القائم من الموت مقيدًا ببعد المكان، بل حاضرًا في كل مكان، هذا ما نستشفه من حالته بعد القيامة، إذ ظهر لتلاميذه في دار أُغلقت ابوابها (يوحنا 19/20-29).
قيامةٌ وحياةٌ وتجددٌ
إن قيامة الموتى والحياة الأبدية ونهاية هذا الدهر حقائـق تفـوق ادراكنـا البشري، لأننا لا نملك أي اختبار عنها.
لا نستطيع إضافة تفاصيل أكثر دقّة على ما قلناه، ولنتجنب أن نرخي العنان لمخيلتنا، المقيّدة بابعاد الدهر الحالي، فنخترع أجوبة عن تساؤلاتنا، هي أقرب منها إلى الخيال من الواقع، ونكتفي بالتعابير الرمزية التي يقدمها لنا الكتاب المقدس، مُقتدين بطقسنا المشرقي الذي يستعمل عبارات رائعة للتعبير عن هذه الحقائق قائلاً بريكٌ داشةودي بسبرةى قيمت وخُّيّا وخودت(5) : ” مبارك الذي وعدنا في بشارته ” بالقيامة والحياة والتجدد “. ويقين إيماننا بأننا في الدهر الآتي سنحيا مع الله، وأن ما ينتظرنا يفوق ما يمكننا ان نتصوره، كما يقول القديس بولس : ” ما لم تره عين ولا سمعت به أُذنٌ ولا خطر على قلب بشـر، ذلك ما أعدّه الله للذين يحبونـه “ (1 قورنثس 9/2)
عيد القيامة المجيد 
الأحد 4 نيسان 2010


(1) الأب سليم بسترس، اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر، ج 3. ط 1 (1988) لبنان ص 344 - 345.
(2) كارل راهنر / هربرت فورغريمار ترجمة المطران عبده خليفة، دار المشرق - بيروت 1986، ص 259
(3) الكردينال هرمن فولك والكردينال يوسف راتسنغر وآخرون. ترجمة المطران سليم بسترس، المسيحية في عقائدها. منشورات المكتبة البولسية بيروت (1988) ص 463.
(4) الأب سليم بسترس، المصدر السابق ص 334