مار يوسف قديس بليغ بصمته العدد (60)
02/07/2014
صمتُ القديس يوسف البليغ
                                                                           مار يوسف
                                           قديس بليغٌ بصمته
 
صمتُ القديس يوسف البليغ
تحتفل كنيسة المشرق الكلدانية - الآثورية بعيد القديس يوسف، خطيب مريم العذراء ومربي يسـوع المسيح، في الأحد الرابع من زمن البشـارة، أي قبل أَيام قليلة من عيـد الميلاد المجيد، لتبيّـن الدور الهـام الذي أداه في مرحلة تحقيـق الخلاص الذي وعد الله البشرية به، وأنتظرته الأجيال منذ قرون عديدة، ولتشرح للمؤمنين مكانته في حياتهم الدينية وفي ممارستهم التقوية.إن ما يسترعي إنتباهنا في حياة القديس يوسف، أمر يميزه عن سائر القديسين والأولياء، انه صمتـه العميق والمستمر طيلة مـدة ظهوره على مسـرح أحداث طفولة يسوع المسيح : لا يذكر الإنجيل المقدس جملة واحدة نطق بهـا، فلا كلمة جوابية قالها للملاك جبرائيل حينما أتى يبشـره بسـر تجسد ابن الله، ولا عبارة وجهها لمريم العذراء يعطيها فيها توجيهاته بصفته المسؤول عن شؤون العائلة المقدسة، ولا كلمات توجيهية للصبي يسوع الذي كان طائعًا للعذراء مريم وله (لوقا 51/2) ؛ فحينما ضاع يسوع الصبي عنهما خلال الحج السنوي إلى هيكل أورشليم، وغاب عن أنظارهما، وفتشا عنه بقلق شديد، ثم وجداه في الهيكل بعد ثلاثة أَيام، ترك المجال لمريم العذراء لتطلب من الصبي يسوع تفسيرًا لتصرفه، قائلةً : ” يا بني، لمَ صنعت بنا ذلك ؟... “ (لوقا 48/2).واصل القديس يوسف مهمته بصمت وعاش ومات في الظل وكأني به يقول مع القديس بولس ” لقد جاهدت الجهاد الحسن و أتممتُ شوطي وحفظت الإيمان وقد أُعد لي إكليل البر الذي يجزيني به الرب الديّان العادل “ (2 طيم 7/4).إلاّ أن صمت القديس يوسف أكثر بلاغة من كلام أفصح الخطباء والوعاظ، هذا الصمت جعل اعدادًا غفيرة من العلماء يكتبون مؤلفات عديدة عن هذا الرجل البار وجمهرة كبيرة من الوعاظ يكرسون كرازاتهم عن مناقبه، بحيث أصبح أكثر شهرة من كل الرجال عبر القرون.حينما وضع الإنجيليان متى ولوقا شخصية القديس يوسف في قلب أحداث سر التجسد، فانهما أرادا إلقاء دروس هامة تبين دور هذا القديس في تدبير الخلاص، وإبراز فضائله ومناقبه، وتقديمه مثالاً يقتدي به المسـيحيون عِبر الأجيـال كلها، وتبيان شفاعته القديرة عند الله.
بشارة الملاك ليوسف في إطار بشارات رئيس الملائكة جبرائيل :
لنتمكن من فهم الدور الهام الذي أدّاه القديس يوسف في تاريخ الخلاص، علينا أن نضعه في إطار بشارات الملاك جبرائيل الثلاث الآتيـة : البشـارة لزكريـا الكاهن (لوقـا 5/1-25) والبشـارة لمريـم العـذراء (لوقـا 26/1-38) والبشارة للقديس يوسف (متى 18/1-25).إن هدف هذه البشـارات الثلاث هـو تحقيق الخلاص الذي وعد الله به ؛ في هذه البشارات حدد الرسول السماوي دور الأشخاص الذي عليهم ان يؤدوه في مرحلة تدبير الخلاص :ظهر الملاك جبرائيل لزكريا الكاهن، حيث حدد الدور الذي سيؤديه ابنه يوحنا قائلاً : ” يا زكريا، قد سُمع دعاؤك ستلد لك امرأتك إليصابات ابنًا فسمه يوحنا... سيردّ كثيرًا من بني إسرائيل إلى الرب إلههم... ويسير أمامه (أي أمام المسـيح)... ليعدّ للرب شعبًا متأهبًا... “ (لوقـا 13/1-17)، حدد الملاك جبرائيل مهمة يوحنا من خلال إعداد الشعب لمجيء المخلص، بدعوته إلى التوبة.يربط لوقا البشارة الأولى بالبشارة الثانية لمريم بقوله : ” وفي الشهر السادس، أرسل الله الملاك جبرائيل... إلى العذراء مريم : قائلاً لها ” لا تخافي يا مريم، فقد نلتِ حظوةً عند الله، فستحبلين، وتلدين ابنًا، فسمِه يسوع... “ (لوقا26/1...)، دور العذراء مريم هو أن تلد المخلّص الموعود للعالم
دور القديس يوسف في تدبير الخلاص :
كان الله قد وعد أن يرسل المسيح - المخلّص من سلالة أبينا إبراهيم وحفيده الملك - النبي داود، وهذا ما أكده كافة الأنبيـاء الذين تنبأوا عن مجئ المسيـح. صحيح أن مريم العذراء هي الأخرى من سلالة إبراهيم وداود، إلاّ أن الشريعة الموسوية تنسب الولد إلى عشيرة والده، لذلك طلب الملاك من يوسف الصدّيق أن يأخذ زوجته إلى بيته ويعترف بها زوجة شرعية أمام القانون الموسوي، ويعترف بيسـوع كإبن من الناحية القانونية - الشـرعية، لإن يوسف هو من سلالة النبي داود، فقال له الملاك : ” يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأتي بإمرأتك مريم إلى بيتك، فإن المولود منهـا هو من الروح القدس، سـتلد ابنًا فسـمِه يسـوع، لأنـه هـو الذي يخلّص شـعبه مـن خطاياهم “ (متى 20/1...).هذا يعنـي أن يوسف هو الوريث الشرعي للوعد المسيحاني، ويكمن دوره في إدخال يسـوع رسميًا في عائلة النبي داود ؛ لذلك كان الناس يدعون يسوع ” ابن يوسف “ أو ” ابن النجار “ قائلين : ” ألَيسَ هذا يسوع ابن يوسف ؟ “ (يوحنا 42/6) ” ألَيسَ هذا ابنَ النجار ؟ ألَيسَت أمه تدعى مريم ؟ “ (متى 55/13).إذن لم يقتصر دور يوسف في ضمان الحاجات المادية ليسوع وللعذراء مريم من المال الذي كان يحصل عليه من مهنة النجارة، ولم يقتصر دوره على حماية يسوع ومريم من الأخطار المحيقة بهما ؛ بالرغم من انـه أدى هذا الواجب إداءً حسنًا
.
كان يوسف رجلاً صدّيقــًا :
إن الله الذي ألهم الإنجيل المقدس، يطلق على يوسف صفة ” الصدّيق “ قائلاً : ” كان يوسـف رجلها صدّيقًا “ (متى 19/1)، إنها شـهادة الله ذاته، فيا لهـا من شهادة خطيرة !يطلق الكتاب المقدس صفة ” الصـدّيق “ على الإنسـان الذي همه الوحيد هو تكييف حياته وفق رغبات الله، ” دم هابيل الصدّيق “ (متى 35/23) ؛ وهذا ينطبق تمامًا على القديس يوسف. حالما سمع رغبة الله من الملاك قائلاً : ” لا تخف يا يوسف أن تأخذ مريم... “ ؛ صنع ما أُمِرَ به : ” فأخذ إمرأته، ولم يعرفها، حتى ولدت ابنها البكر... “ ؛ واستمر طائعًا لأوامـر الله طيلة حياته ؛ فحين أمره الملاك أن يغادر فلسطين ويهرب إلى مصر، لإبعاد يسوع الطفل من الطاغية هيرودس قائلاً له : ” قُـم فَخُذ الطفـل وأمَّه واهرب إلى مصـر وأقم هنـاك حتى اعلمـك، لأن هيـرودس سـيبحث عـن الطفـل ليهـلكه “. قــام فأخـذ الطفـل وأمـه ليـلاً ولجـأ إلـى مصر وأقام هنـاك إلى وفـاة هيرودس “ (متى 13/2-14). ” ومـا أن توفي هيـرودس حتى تراءَى مـلاك الرب في الحلم ليوسـف في مصـر وقـال له : قم فخذ الطفل وأمـه واذهب إلى أرض إســرائيل، فقد مـات من كان يريـد إِهلاك الطفل “ فقـام فأخـذ الطفـل وأمَّه ودخل أرض إسرائيل “ (متى 21/2).عرف يوسف ان الله وضـع على عاتقه دعوة خارقة ومهمة خطيـرة ومنحه منزلة ساميـة، لأنه أصبح مربي ابن الله، يؤكد الإنجيل المقدس، أن يسوع كان يطيع توجيهات مريم ويوسف قائـلاً : ” وكـان طـائعــًا لهمـا “ (لوقا 1/3) ؛ لم يتكبـر ولم ينتابه الغـرور، بل أكمل رسـالته دون ضجة ودون إدعاء، بل بوعي كامل وبهدوء وكتمان وتواضع
.
القديس يوسف مثال سامٍ نقتدي به :
حينما وضع البشيران متى ولوقا شخصية يوسف في قلب أحداث سر تجسد ابن الله، أرادا بذلك تقديم عِبّر ودروس لكل المسيحيين، وعبر الأجيال كلها ؛ وان ذكره في بداية الإنجيل المقدس علامة واضحة أن الكنيسـة الناشئـة، التي دونت أسفار العهد الجديد في زمانهم، كانت تعدّ مار يوسف الرجل الأول في المسيحية، وان عليها الإقتداء بفضائله.لكل واحد منا رسالة خلاصية دعاه الله لينجزها على هذه الأرض، على غرار القديس يوسف ؛ فعلينا الإقتداء به في تكميل رسالتنا على هذه الأرض، حتى ابّان الصعوبات، كما أكمل القديس يوسف رسالته وسط المصائب والمذابح التي ارتكبها هيرودس، ووسـط الاغتراب واللجوء بعيدًا عن الوطن، ووسـط الفقـر والعوز، لنتذكّر أن اصحاب الفنادق في بيت لحم لم يستقبلوه يوم ولادة يسوع بسبب فقره، يمكننـا القول إنه اختبر كل هذه المآسي التي نعيشها اليوم، لا بل أن حياتنـا في هذه الظروف الصعبة تشبه حياته، إلاّ إنه أكمل رسالته بكل أمانة وشجاعة، ولم يتزعزع إيمانه بالله وثقته البنوية به.كما انه مثالنا في مهنتنا ووظيفتنا، فلقد كان نشطًا في مهنة النجارة ونزيهًا في تعاملاته المالية مع الآخرين.لذا فلقد كافأ الله إيمانه وثقته به، وجعله يجد الصبي يسوع في الهيكل بعد أيام القلق. فإذا ما اقتدينا بالصدّيق يوسف، فلا يتزعزع إيماننا بالرب حتـى في خِضمِّ الصعوبـات، فإن الله سـوف يعاملنا كما عامل القديس يوسف ويكافئنا في الوقت المناسب ويمسح كل دمعة تجري من مآقينا.القديس يوسف شفيعنا القدير :لقد رعى القديس يوسف العائلة المقدسة على هذه الأرض، إذ كدّ وتعب ليوفر كل مستلزمات الحيـاة ليسوع ولمريم العذراء، كما انه قام بحمايتهما من الأخطار القاتلة التي أحاطت بهما ؛ وهذا ما طلبه الله منه. يريد الله من القديس يوسف أن يكمّل رسالته تجاه عائلة يسوع المسيح على هذه الأرض أي الكنيسة، وأن يرعى ويحمي أخوة يسـوع وإخواته، وأبنـاء مريم العذراء الحاجين على الأرض نحو السماء.لذا فإن القديس يوسف شفيع قدير، علينـا اللجوء إليه في كل حاجاتنـا ووسط صعوباتنا، لقد عبّر المؤمنون دومًا عن ثقتهم بشفاعة مار يوسف القديـرة. حينما يستنجدون بأفراد العائلة المقدسـة سوية قائلين : ” يا يسوع، ويا مريم، ويا مار يوسف، ساعدونا “، وعبّروا عن ثقتهم بشفاعـة القديس يوسف من خلال الكنائس العديدة التي شيدت على إسمه في كل أنحاء العراق، لا بل في العالم كله.إنه شفيع رب وربة العائلة المسيحية، فإنه يتفهمهما جيدًا ويعرف صعوباتهما، لأنه تحمَّل هذه المسؤولية قبلهما، فإذا التجآ إليه، فلا بُدّ أن ينالا من يسوع لهما النعم.شيّد الكلدان كنيسة في منطقة المأمون ببغداد باسم ” كنيسـة مار يوسف شفيع العمال “ ؛ لأن القديس يوسف يتفهم جيدًا معاناة العمال، فلقد كان هو نفسه نجارًا، وتعب وكدَّ واختبر صعوبات العمل والتعامل مع الناس ؛ لذا سوف يسنـد العمال دومًا، وخاصة حينما يطلبون شفاعته.تعليم الكنيسة :يؤكد كتاب ” التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية “ إن القديس يوسف هو شفيع الميتـة الصالحة في الفقرة الآتية : الرقم ” 1014- “ تشجعنا الكنيسـة على أن نهيئ أنفسنا لساعة موتنا (” نجنا يا رب من الموت المفاجئ وغير المتوقع “ : طلبة القديسـين القديمة)، وأن نطلب إلى والدة الإله أن تتشـفع فينا ” في ساعة موتنا “ (صلاة ” السلام عليك يا مريم “)، وأن نودع ذواتنا القديس يوسف، شفيع الميتة الصالحة.نود أن نختم هذه الإفتتاحية بتوجيهات الأب الأقدس بندكتوس السادس عشر الآتية :” ان مثال القديس يوسف دعوة ملحة لنا لنكمل الواجب الذي كلفتنا به العناية الإلهية بأمانة وبساطة وتواضع.إني أُفكـر قبل كل شئ بآباء وأمهـات العوائل، وأصلي ليعلموا كيف يقيّمون دوما جمـال الحياة البسيطة والمكرسـة للعمل، ويعيروا إهتمامًا متزايدًا بالعلاقـة الزوجية وبتكميل رسالتهم التربوية السامية والصعبة بحماس “.