الصليب على ضوء قيامة المسيح العدد (59)
02/07/2014
عيد رفع الصليب المقدس
تحتفل كافة الكنائس المسيحية بعيد الصليب المقدس في اليوم الرابع عشر من شهر أيلول في كل سنة، وذلك إحياءً لذكرى رفع الصليب المقدس يوم 14 أيلول سنة 335 م في معبد الجلجلة بأورشليم، الذي شيده الأمبراطور قسطنطين.
                                                          الصليب على ضوء قيامة المسيح


عيد رفع الصليب المقدس
تحتفل كافة الكنائس المسيحية بعيد الصليب المقدس في اليوم الرابع عشر من شهر أيلول في كل سنة، وذلك إحياءً لذكرى رفع الصليب المقدس يوم 14 أيلول سنة 335 م في معبد الجلجلة بأورشليم، الذي شيده الأمبراطور قسطنطين.
إلاّ أن ما يسترعي أنتباهنا ويثير تساؤلنا فـي طقس كنيسـتنا المشـرقية الكلدانيـة - الآثورية، هو أَننا لا نقرأ أثنـاء القداس الذي نحتفل بـه يوم عيـد الصليب النَص الإنجيلي الذي يسـرد أحداث الآلام التي عاناها يسوع على الصليب، ولكن نصًا من النصوص التي تسـرد شهادة التلاميذ لقيامةِ يسـوع من بين الأموات، أي ظهوره لتلميذي عماوس، ومن ثمَّ عودتهما إلى أورشليم ليبشـرا سائر الرسـل بقيامة المسيح (لوقا 13/24-35).
لماذا أختارت كنيستنا المشـرقية نصًا من النصوص الإنجيلية التي تتحدث عن قيامة يسوع ليُقرأ في عيد الصليب ؟ وما هي العلاقة القائمة بين هذين الأمرين : ” الصليب والقيامة “ ؟.
شرح يسـوع المسيح نفسه لتلميذي عماوس العلاقة الكائنة بين هذين الأمرين قائلاً ” أما كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام ثم يدخل في مجده ؟ “ فبدأ من موسى وجميع الأنبياء يفسّر لهما في جميع الكتب ما يختصُّ به “ (لوقا 27/24).
إننا لا نفهم معنى الصليب، إلاّ على ضوء قيامة يسوع المسيح من القبر، كما يقـول القديس بولس : ” …...إذا لـم يكـن المسـيح قـد قـام، فإيمـانكم باطـل، ولا تـزالون بخطاياكم... “ (1 قورنتس 17/15).
إذا لم يكن يسـوع قد قام من بين الأموات، لكان الصـليب مجرد آلة إعدام قاسية وأليمة وعلامة كآبة وحزن، ولأصبح حمله على الصدور أمرًا غير مناسب.
لقد كانت الآم الصليب مرحلة تمهيدية ضرورية للمجد الذي حاز المسيح عليه، لذا لا يجوز فصل الصليب عن القيامة ولا الألم عن المجد.
إن المسـيح الكائن اليوم، والذي نعترف به، هو المسـيح الحي القائم من بين الأموات الذي نال المجد عبـر الصليب، لذا حالما قام من بين الأمـوات، لم يعد الصليب رمزًا للعذاب وللموت، بل علامة لانتصاره العظيم على الموت.
إن الإكرام الذي نقدمه للصليب هو إكرامٌ مقدم للمسيح الحي ذاته، كما تقول الصلاة الطقسية الآتية : ” كلما شاهدنا الصليب، فإننا نسجد للمسيح من خلاله، ونقرّ بجلاله، إذ به حصل الخلاص لنا أَجمعين “ (حوذرا، المجلد 3، ص 548).
يؤكد عبديشوع الصوباوي (ت 1318 م) أن الإكرام المقدم للصليب، لا نقدمه للعمل الخشبي أو النحاسي المصنوع بأيدي البشـر، بل للمسيح ذاته، لأن كلمـة ” الصليب “ ترادف اسم المخلّص، فلفظة ” الصليب “ مشتقة من فعل ” صَلَبَ “ كما نقول ” قتيل “ من فعل ” قَتَلَ “، فيقول :
” إننا نسـجد لناسوت المسيح، لان الله فيه، كذلك بالنسبة للصليب، أننا نسجد لله مخلصنا، لأن الصليب اسمٌ للمسيح، مثلمـا نقول : ” قتيل وسـجيد “ لأن هذه التسمية لا تليق بالخشب والفضة والنحاس “ (الجوهرة، ترجمـة الأب (المطران) لويس ساكو ص 62).
لذا حينمـا نعلّق الصليب على صدورنـا نريد أن نؤكد إيماننا ان الذي يرافق خطواتنا في الحياة هو المسيح الحي القائم من بين الأموات، وليس آلة الإعدام.
عيد الصليب تطلّع إلى عودة يسوع :
لا يصوّر المشارقة الكلدان والآثوريون والملباريون جسد يسوع منازعًا ومائتًا على الصليب، بل يزينون الصليب باللآلئ والحجـارة الكريمـة، لأنه لم يعد آلة للتعذيب والإعدام، بل علامـة الإنتصار والغلبة التي سـترافق السيد المسيح يوم يعود ليدين الأحياء والأموات، إنها علامة ابن الإنسـان، التي تحدّثَ عنهـا الرب يسوع، مؤكدًا انها ستظهر معه يوم تجليه في آخر الزمان حين قال :
” … تُظلمُ الشمسُ، والقمرُ لا يرسلُ ضوءَه، وتتسـاقطُ النجوم من السـماء، وتتزعزع قواتُ السماء، وتظهر عندئذٍ في السماء علامةُ ابن الإنسان، وحينئذٍ تنوحُ جميعُ قبائل الأرض، ويرون ابن الإنسان آتيًا على سحب السماء بقوةٍ ومجدٍ عظيم، ويرسل ملائكته ببوق عظـيم، فيجمعون مختاريـه من الريـاح الأربع، من أَقاصي السماوات إلى أقاصيها “ (متى 29/24-31).
تقول إحدى الصلوات الطقسية إن الملاك جبرائيل هو الذي سـيحمل علامة الصليب الظافر أمام المسيح العائد في اليوم الأخير :
” سيحمل رئيس الملائكة جبرائيل راية الصليب عاليًا بمجد لا يوصف، يوم ظهور مخلصنـا ومعه القوات السـماوية، ويعرضه أمام جميع البشر بشكل رائع وعجيب، حينئذٍ يتجلى ابن الملك العظيم، تسـبقه علامتـه، يحيط بهـا الملائكـة والبشـر، مهللين (قدوس، قدوس) عوض تجديف الظـالين... “ (حوذرا، الجـزء الأول، ص 270).
يؤكد عبديشوع الصوباوي الشيء ذاته قائلاً :
” إن أسـاس المسـيحية مشيّد على الإيمان بأن تجديد العالم وخلاصه حصلا بالصليب، ونحن نرى فيه علامة مخلصنا التي سوف تظهر قبل تجليه في السماء، كما قال “ (الجوهرة ترجمة الأب (المطران) لويس ساكو ص 62).
وبما إن الإحتفال بعيد الصليب في طقسنا الكلداني يرمز إلى عودة يسوع في آخر الزمان، لذلك أَقرّت كنيستنا صيامًا إستعدادًا للإحتفال بهذا العيد، يدوم أربعين يومًا، تسميه ” صوم النبي إيليا “، يعدّنا للدينونة الأخيرة. يبدأ هذا الصوم بالأحد الأول من زمن إيليـا، ويحمل العنوان الآتي : ” أحد مدخل صـوم مـار إيليا “ (حوذرا المجلد، 3 ص 257)، وينتهي بالجمعة السابعة من زمن إيليا، التي تحمل العنوان الآتـي : ” الجمعة... خاتمة سـابوع إيليا، وفيها يحتفلون بتذكـار إيليـا التشبيثي، وفيها ينهي الصائمون صيامهم “ (حوذرا، المجلد 3، ص340).
لماذا دُعي هذا الصيام بصوم النبي إيليا ؟
نجد سبب هذا في الأفكار الروحية الواردة في صلوات هذا الزمن الطقسي، إذ تتحدث عن ظهور النبي إيليا للمرّة الثانية، ومن ثم ظـهور الصليب المقدس قبل ظهور المسيح، ليفضح خطايا أولاد الهلاك.
تؤكد هذه الصلوات أن مساعدنا الوحيد، حينما نمثل أَمام عرش الله، ستكون رحمة الله، لذا علينا أن نتأمل بالحقائق الأزلية خلال هذا الزمن، لا بل طيلة حياتنا الأرضية، لنحقق إهتداءً جذريًا في حياتنا، لأن الشرير يحاول دائمًا إفشال جهودنا الخيّرة، لذا علينا أن نكون سـاهرين ويقظين دومًا للافلات من مصـائده والإستعداد للدينونة الأخيرة.
مـا معانى الصلبان التي نزين بها كنائسنا ومسـاكننا وأنفسنا ؟ وما معانى علامات الصليب التي يرسمها الكاهن أثناء الإحتفال بأسرار الكنيسة وتلك التي نرسمها على أنفسنا ؟
نرفع الصليب المقدس على قباب كنائسنا ونعلقه على جدران معابدنا وبيوتنا ونزين به صـدورنا، ونكرر رسـمه أثناء إقامة مراسيم العمـاذ والقداس وسائر الأسـرار والرتب الطقسية، ونرسمه على انفسنا وعلى جباه أولادنـا مرارًا خلال النهار.
ولكن لا يجوز أن نتعود على هذه المشـاهد وعلى هذه الممارسات الخلاصية، إلى درجة قد تفقد معاني الصليب ونقوم برسم علامات الصليب بعجالة وبرتابة تفرغان قلوبنا من المشاعر الروحية والإيمانية.
ما الذي يعني ” الصليب “ بالنسبة لنا ؟
يذكرنا الصليب المقدس : ” أن الله أحبَّ العالم، حتى إنه جاد بابنـه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. فأن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم “ (يوحنا 13/15) ؛ فالصليب هو اذن أجلى برهان لمحبة الله لنا، ففي كل مرة نشاهده وفي كل مرة  نرسـمه على أنفسنا، نعبر عن عرفان الجميل، والرغبة لنعيش وفق متطلبات إيماننا.
إن علامـات الصليب العديدة التي يرسمها الكاهن أثنـاء إقامة مراسيم العماذ والقداس، تعبّر عن حقيقة إيمانية، أن كل اسرار الكنيسة انبثقت من جنب المخلّص المعلق على الصليب، إذ يؤكد آباء الكنيسة أن الماء الذي خرج من قلب يسوع هو رمز للمعموذية والدم الذي خرج من جنب يسوع المطعون هو رمز للقربان المقدس.
إن الصلبان التي نزين بها كنائسنا وبيوتنا تعبر عن أسرار ديانتنا المسيحية : سر الثالوث الأقدس، وسر التجسد وسر الفداء.
إن عـلامات الصليب التي نرسمها مرارًا على أنفسنا منذ نهوضنـا من النوم وحتى رقادنا، تعبّر عن رغبتنا أن ننتمي إلى يسوع وأن نكون ملكًا له، إنه الختم الخاص الذي طبعنا به، ونعبر عن رغبتنـا ان نحمل صلباننـا نحن أيضًا ونسير وراءَه وأن نكمل في أجسـادنا ما ينقص من آلام المسـيح (1 قورنتس 24/1)، وأن نحمل صلبان الحياة ومصائبها بكل صبر  واستسلام لإرادة الله.
أخيرًا حينما يرسـم اِلأهل علامات الصليب على جبـاه أولادهم، فانهم يفعلون ذلك وكأني بهم يقولون لفلذات أكبادهم : ” إننا نوكلكم إلى رعاية الرب وحمـايته ونسلمكم بيد ذاك الذي أحبكم حبًا لا متناهيًا “.