الشيخوخة ربيعٌ أخير العدد (51)
02/07/2014
بينما تضعف قوانا الجسدية تدريجيًا مع مرور السـنوات، تواصل روحنـا صعودها درجات التسامي والإنفتاح، إستعدادًا لملاقاة ذاك الذي ينتظرنا، والذي عملنا على إكتشافه عِبر سنوات طويلة، وتطلّعنـا بإشـتياق إلى لقيـاه ورؤيته وجهًا لوجه
                                           الشيخوخة ربيعٌ أخير


بينما تضعف قوانا الجسدية تدريجيًا مع مرور السـنوات، تواصل روحنـا صعودها درجات التسامي والإنفتاح، إستعدادًا لملاقاة ذاك الذي ينتظرنا، والذي عملنا على إكتشافه عِبر سنوات طويلة، وتطلّعنـا بإشـتياق إلى لقيـاه ورؤيته وجهًا لوجه.
علينـا محاولة أن نعيش بعمق في مرحلة الشـيخوخة التي سيجتازها كل إنسانٍ آتٍ إلى العالم، هذا إذا لم يَدْعُهُ الرّب إليه قبل حلولها، لكي لا يعيشها المرء وينتابه شعورٌ بالأسى والمرارة.
فلكي نتمكن من التقدم في العمر بصـورة مُرْضية، علينـا أن نسـتبق الأحداث و نسـتعد لمرحلة الشيخوخة، بتطبيقنا المبادئ الإنجيلية السـامية منذ بلوغنا سن الرشد، الأمر الذي سيسمح لنـا أن نتقبّل الواقـع الجديد بطيبـة خاطر، وأن نكيّف نشاطنا وحياتنا وفق الظرف الراهن، فنتخذ الإجراءات الواجب إتخاذهـا مسـبقًا وفي الوقت المناسب.
إذا كان علينا أن نغيّر نوع نشـاطاتنا تدريجيًا، فهذا لا يعني انه يجوز لنـا التوقف عـن التطلـع إلى المسـتقبل أو الكـف عـن التخطيط لمشاريع مستقبلية لنا وللآخرين.
قال سعيد الذكر البابا يوحنا بولس الثاني في رسـالته الراعوية للشـيوخ عـام 1999 : ” لكل عمـر جمـاله ومَهَمّاته ودوره الخاص “.
لنتمكن أن نعيش بصفاء وطمأنينة في مرحلة الشـيخوخة، أحاول تسليط الضوء على النقـاط الثلاث الآتيـة : نشـاط الإنسـان الجسـمي، ونشاطه الروحي خـلال هـذه المرحلة، وأقدّم أَخيرًا البابـا يوحنـا بولس الثاني مثـالاً نقتدي بـه فـي مرحلـة شيخوخته.
نشاط الإنسان الجسمي
على الصعيد الجسماني، تدفع قوةٌ خارقة الإنسـان، منذ مرحلة طفولته إلى مرحلـة البلوغ، لينمو ويكبر ويتطور في أبعـاد كيـانه كلهـا ؛ وحينما يبلغ الأربعين من عمره يكـون قد بلـغ ذروة قوته الجسدية والذهنية والفكرية، إذ يكون قد حصل على النضوج والخبرة والتكوين الجسدي، مما يمكّنه من تحقيق أمور كثيرة يقررها، وإقامة مشاريع مهِمّة يخطط لها.
إلاّ أن هـذا المجـد عابرٌ، إذ يبدأ بعد ذلك الخـط البيـاني بالإنحـدار تدريجيًا، وتبدأ قوى الإنسان تضعف ويبدأ الجسد يشـيخ، الأمر الذي يترك الإنطبـاع أن قمـة حيويـة النشـاط الجسـمي قد صارت في خبر كـان، وأن زمن تأدية الحسـاب عن الوكالة التي أُؤتمِنَ الإنسـان عليهـا من قِبلِ الرب قد اقترب ؛ وقد ينتـاب المرءَ شعور بالحسرة.
تحتل الذكريـات مكانًـا مهِمًا في مرحلة الشيخوخة من حياة الإنسان، إذ يشـعر كبارُ السـن بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة حياتهم الماضية، وغالبًا ما يعيشـون في ذكريـات المـاضي، معتقدين أن هذا الأمر هو الخيط الذي يربطهم بوجودهم على هـذه الأرض، ويعطي معنى لشيخوختهم.
خلال سياق التفكير في الماضي، غالبًا مـا يبرز الشـعور بالذنب لدى كبار السن عن أخطاء قد اقترفوها أو يعتقدون انهم اقترفوها ؛ فإذا توقفوا على هـذا الشـعور فثمة خطورة أن يقعوا في الإحبـاط والإنهيار العصبي، لذا فهم محتاجون في هـذه الحالة أن يتحـرروا مـن هـذا الشـعور، وأن يُطهّروا ذاكرتهم من هـذه الشـوائب، ويتطلعـوا عوض ذلك إلـى الأمـام، وليعلموا أن الحياة تبدأ ثانيةً كل يوم، وأن نعمة الله لا تنضب.
يحظى المسـيحيون بوسيلة ناجعة للتحرر من الشـعور بالذنب، ألا وهي سـر التوبة والمصالحة، إذ يمنح الله بواسطته الغفران الكامل عن الخطايا المرتكبة، هكذا يمثّل هذا السر علاجًا فعالاً يشفي من توبيخ الضمير العقيم، ويمنح الإنسان عوض ذلك الراحة النفسية.
نشاط الإنسان الروحي
أمّـا نشـاط الإنسـان الروحـي والفكري، فيستطيع أن يواصل تطوره ونموه، إذ ليس بمسـتطاع تقدم العمر إيقافه، فالإنسـان يمكن أن يزداد ثقافةً وتقربًا مـن الله وعطاءً، الأمـر الذي يجعله يشـعر بالإرتياح والفرح، كما يقول المُزَمِّر : ” ما زال (الصِدّيقون) في المشيب يثمرون، وفي الإزدهـار والنضـارة يَظَلّون، ليخبروا بأن الربَّ مستقيم “ (المزمور 92 (91)/15-16) ؛ وكما يقول القديس بولس : ” لذلك لا تضعف عزائمنـا، فمع أن الإنسـان الظـاهر فينا يسير إلى الفناء، إلا أن الإنســان الباطن يتجدد يومـًا بعـد يوم... “ (2 كور 16/4).
لربما يمثّل هذا الجسـد الذي يشيخ دعوةً لنا لنركّز إهتمامنا وتفكيرنا بمـا هـو جوهري ثابت، ونترك مـا هو عَرَضي زائل. مـا الفائدة من محاولة إيقــاف عجلـة الزمـن، ومحـاربة التجعدات، ومطاردة الشعرات البيضاء بقلعهـا أو صبغهـا ؟، يقول الكتـاب المقدس : ” الشيبة إِكليلُ فخرٍ، تجدها في طريق الحكمة “ (أمثال 31/16) ؛ مع تقدّم العمر تحتـل الحكمة مكانهـا الطبيعي، ويُهمـل الإنسـان الأمـور العرَضية ويتطلع إلى ما هو جوهري.
حينما يقترب المسيحي من ختـام وجوده الأرضي، يرى نفسـه أَمـام أَبديته ؛ وحينمـا يتذكر انه سـيلتقي عمّـا قريب ذاك الذي بحث عنـه منذ أَمدٍ بعيـد، تزداد أَمانتـه للمسيح رسـوخًا، وتندمج حيـاته بالمسـيح أكثر، فيتمكن أن يقـول مـع القديس بولس : ” فمـا أَنـا أَحيـا بعد ذلك، بـل المسيح يحيا فيَّ “ (غلاطية 20/2) ؛ وبهـذا يُعـِد ” إنتقـاله “ إلى مـلء الحياة الأبدية.
لنتمكـن مـن فهـم دور مرحلـة الشـيخوخة في حياتنا، يجب أن ننظر إليهـا ضمن إطـار مراحـل الحيـاة الأخرى : مرحلة الطفولة، مرحلة المراهقـة، مرحلـة الشـباب، مرحلة الكهولـة ومرحلة الشـيخوخة. فكـل مرحلة من هـذه المراحل هي مرحلة وقتية وليست خالدة، ولها كلهـا هدف مشـترك، ألا وهو إعدادنـا للحيـاة الخالدة.
لا تُلغي هذه الأفكار الشعور بالآلام ونحن نقتـرب من خـاتمة الحيـاة الأرضية. إن الأمر الذي يساعدنا على العيش في هذه المرحلة براحة الضمير وطمأنينة هو تأكدّنا انهـا تبلغنا الحياة الأبدية، فعلينـا إذن النظر إلى الهدف السـعيد الذي ينتظرنـا، كمـا يقـول المثل العراقي ” الدنيـا يوم والآخـرة دوم “.
يـــوحنـا بولـس الثاني قدوتـــنــــا في مرحلة الشيخوخة
ترك لنا البابـا يوحنا بولس الثاني مثـالاً خارقًا لشـيخوخة هادئة، تحمّل آلامها بطيبة خـاطر، وعـاش أثناءَها بشجاعة. لقد ضعفت قواه الجسدية، إلاّ أنه احتفظ بقوة روحية وإمكانية فكرية وذاكرة خارقة. لقد تحمّل أعباء التقدم في العمـر وآلام المرض إلـى نهاية المطـاف، لقد خفت صوته وأحدودب ظهره إلاّ انه لم يخشَ أن يُظهر نفسه بهذه الحالة أَمـام الجماهير بلا حيـاء زائف، وواصـل رســالته وإعـلان الإنجيل المقدس حتى آخر طـاقة من قواه وبطريقة مناسبة لهذه المرحلة من العمر.
ذكر البابا الراحل في رسالته إلى الشــيوخ، آنفة الذكر، مـا يـأتي : ” بالرغم مـن الحدود التي يفرضهـا التقدم في العمر، إلاّ أني قد إحتفظتُ بلذة الحياة، وأشكر الله من أجـل هذه النِعمَة. كم هو رائع أن يتمكـن المـرء أن يبـذل جهوده وذاته إلى نهاية المطاف مِن أجـل قضية الملكـوت، وإني أشـعر بسـلام باطني كبير حينما ينتقل فكري إلى الساعة التي سـيدعوني فيهـا الرب لأنتقل من هذه الحيـاة الدنيـا إلى الحيـاة الخالدة “.
وفـي غـُرّة شهر نيسان عام 2001، أدلى بالتصريح الآتـي لشـباب روما ” لم أَملّ ولم أَتعب أبدًا من لقاء الأشخاص، أثناء نشاطي الرسـولي، إنه الهـدف الذي توخيته من الزيارات الراعوية التي قمتُ بهـا ومـا زلتُ أقوم. والآن وبالرغـم مـن مـرور الأعوام، ليس في نيتي أن أتوقف عن هذا، إذا أراد الله ذلك، لأني على يقين، أنه من خلال الإتصال الشخصي المباشـر مع الأخوة، يمكنني أن أُبشّر بالمسيح بسهولة أَكبر “.
طبّق البابـا يوحنـا بولس الثـاني أَقواله في واقع سني شيخوخته، فبالرغم من الوَهَن الذي سبّبته محاولة اغتيـاله بتـاريخ 13 أيـار 1981، والعمليـات الجراحية التي أُجريت له أثناء الأعوام 1992 و1993 و1996 ومرض الرعّاش Parkinson الذي ألمَّ به عـام 1992، كـل هذا مَنَعه من السير على الأقدام، وجعله ينتقل واقفًا أو جالسـًا في عربة متحركة، متجولاً بين الجماهير، إلاّ أنه استمرّ على أداء رسـالته بشـجاعة إلى آخر طاقة من قوته الجسدية.
مهما سينسى العالم، سوف لا ينسى منظـر شـجاعته وغيرتـه الرسولية ومحبته الأبوية وهـو يطلّ من شباك مقرّه في القاتيكان على ساحة القديس بطرس يوم أحد القيامة الموافق 27 آذار 2005، ليحيي جمهور المؤمنين المجتمعين في هذا الميـدان، فبالرغم من الجهود التي بذلها، مستخدمًا آخر طاقاته الجسـدية، لم يتمكن من التكلم، ولا النطـق بكلمـة واحـدة، فاكتفى بإعطاء بركته الرسولية صامتًا، راسمًا علامـة الصليب بيُمناه لمدينة رومـا وللعالم كله.