الإنسان المؤمن أعجوبة الله (85)
12/11/2017
الأحد السابع من الدنح
الإنسان المؤمن أعجوبة الله
الأب ميسر بهنام المخلصي
الأحد السابع من الدنح
" ولمـَّا أَتَمَّ يسوعُ هذا الكـَلام، أُعجِبَتِ الجُموعُ بتَعليمِه، لأَِنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن لَه سُلطان، لا مِثلَ كَتَبَتِهم.
ولمـَّا نَزَلَ مِنَ الجَبَل، تَبِعَتْه جُموعٌ كَثيرة. وإِذا أَبرَصُ يَدنو منهُ فيَسجُدُ لَه ويقول : " يا رَبّ، إِن شِئتَ فأنت قادِرٌ على أن تُبرِئَني ". فَمدَّ يسوعُ يَدَه فَلَمَسَه وقال : " قد شِئتُ فَابْرَأ ! " فَبرِئَ مِن بَرَصِه لِوَقتِه. فقالَ لَه يسوع : " إِيّاكَ أَن تُخبِرَ أَحدًا بِالأمْرِ، بلِ اذهَبْ إِلى الكاهِنِ فَأرِهِ نَفسَكَ، ثمَّ قَرِّبْ ما أَمَرَ بِه موسى مِن قُرْبان، شَهادَةً لَدَيهِم ".
ودخَلَ كَفَرْناحوم، فدَنا مِنه قائِدُ مائةٍ يَتَوَسَّلُ إِلَيه فيَقول : " يا رَبّ، إِنَّ خادِمي مُلقًى على الفِراشِ في بَيْتي مُقعَدًا يُعاني أَشَدَّ الآلام ". فقال لَه : " أَأَذْهَبُ أَنا لأشفيِه ؟ " فاجاب قائدُ المـِائة : " يا رَبّ، لَستُ أَهْلاً لأن تَدخُلَ تَحتَ سَقفِي، ولكِن يَكْفِي أَن تَقولَ كَلِمَةً فيَبرَأَ خادِمي. فانا مَرؤُوسٌ ولي جُندٌ بأمرَتي، أَقولُ لِهذا : اِذهَبْ ! فيَذهَب، ولِلآخَر : تَعالَ ! فيأتي، ولِخادِمِي : اِفْعَلْ هذا ! فيَفعَلُه ". فلَمَّا سَمِعَ يسوعُ كَلامَه، أُعْجبَ به وقالَ لِلَّذينَ يَتْبعونَه : " الحَقَّ أَقولُ لَكم : لَم أَجدْ مِثلَ هذا الإيمانِ في أَحَدٍ مِن إِسرائيل. أَقولُ لَكم : سَوفَ يَأتي أُناسٌ كَثيرونَ مِنَ المَشرقِ والمَغرِب، فَيُجالِسونَ إَبراهيمَ وَإِسحقَ ويَعقوب على المائِدةِ في مَلَكوتِ السَّمَوات، وأَمَّا بَنو المَلَكوت فَيُلقَوْنَ في الظُّلمَةِ الَبرَّانيَّة، وهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنان ". ثُمَّ قالَ يسوعُ لِقائِدِ المِائة : " اِذْهَبْ، وَلْيَكُنْ لَكَ بحَسَبِ ما آمَنتَ ". فَبَرِئَ الخادِمُ في تِلك السَّاعَة.                (متى 28:7-13:8)
الأعجوبة
   تمثل الأعاجيب إحدى ركائز الإيمان، حيث يبرز دورها في صياغة إيمان شعب الله وكنيسته في العديد من نصوص الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وتحمل هذا الإيمان من جيل إلى آخر. إذ ليست الغاية الأولى منها إظهار قدرة الله الخارقة التي يكسر بها نظام الطبيعة الذي خلقه، بل إعادة الكون إلى نظامه الذي أفسده الإنسان. فهي علامة تدخل الله سواء كان ذلك في المجرى الطبيعي للأمور، أو بطريقة ربما يفهمها المؤمن أنها خرق للنظام.
   الإيمان بـالله الخالق، يعني أن الكون لم يتكون من نفسه، بـل ثمة مـن أوجـده بقدرته، بل الله نفسه أوجده بقدرة تفوق ما فيه من نظام. والأعاجيب التي يجترحها الله ليست إيقافًا للنظام أو تجاوزًا للطبيعة وإنما تغير مفهومنا ونظرتنا للطبيعة. بالنتيجة تبيّن إرادة الله في الخلاص والفداء، اللذين يشيران في النهاية إلى تحقيق ملكوت الله للجميع. " وأما إذا كنتُ بروح الله أطرد الشياطين، فقد وافاكم ملكوت الله " (متى 28:12). هكذا لا يمكن الوقوف عند حدود الحدث في المعجزات والأعاجيب بل نتخطاه إلى الدلالة التي يشير إليها، بذلك نفهم أن العون الإلهي في الأعجوبة هو التغلب على المرض والألم والحزن، وأن الإستمرار في العلاقة مع الله كخالق هو باقٍ على الرغم مما يصيبنا من عطب نتيجة العالم.
   مشكلة الإنسان المعاصر هي الاصرار في البحث والتقصي من أجل معرفة كل شيء. أما المؤمن الحقيقي فهو ذلك الذي يقف أمام الله وسر المسيح الأمين الذي استطاع من خلال مثاله أن يجعل الآخرين يتخذون موقفه تجاه الله وخليقته. فالإيمان يدعونا للمعرفة لكن يطلب منا أولاً الوقوف باندهاش أمام حب الله الخلاق، وتحقيق حلمه بأن جبلته حققت ذلك الحب. فكانت مدعاة فخر وعجب في عين الله.
يمكن تقسيم هذا النص إلى ثلاثة مقاطع
أولاً : معلم لكن بسلطان (28:7-29)
   مقطع إنتقالي من الخطبة الطويلة التي ألقاها يسوع على الجبل ضمن الفصول (5-7) وتظهر شخصية المعلم الحقيقي الذي شهد له الكثير من اليهود : فريسيين وكتبة ومعلمي شريعة وغيرهم أن يسوع المسيح المخلص صاحب السلطان (29:8). حيث يقدم لنا متى ثلاث أعاجيب متتالية (شفاء الأبرص، شفاء عبد قائد المئة، ثم شفاء حماة بطرس) يتضمن نصنا الطقسي إثنتين القصد منها شرح الكيان المسيحي المنبثق من العماد (آحاد الدنح) نحو تحقيق الملكوت الذي يدعو إليه المسيح.
   يبين هذا المقطع أن يسوع ليس مثل كتبة اليهود ومعلميهم والفريسيين الذين يفسرون الناموس والأنبياء حسب. لكن يسوع يكمل الناموس والأنبياء بسلطان وليس بالكلام، بل بالفعل من خلال الشفاءات التي تلي مباشرة الخطبة التعليمية. بعد هذا التعليم والشفاء يرسل يسوع تلاميذه، جماعة المؤمنين أي الكنيسة لكي يعلنوا ويفعلوا الشيء نفسه (متى 6:10-8).
ثانيًا : شفاء مع حفاظ على الشريعة (1:8-4)
   كان البرص نجاسة في إسرائيل، ونوعًا من الموت ؛ فالأبرص مفصول عن الجماعة على الصعيدين الديني والمدني، يُبعَد عن الجميع، ويُمنع من الإشتراك بالعبادة، بذلك يُفصَل عن الله والناس (لا 45:13-46). لم يكن النامـوس (الشـريعة) قادرًا على إعادة هذا الأبـرص ؛ كل مـا يدعوه إليه أن يقدم نفسه للكاهن في حالة شفائه. (لا 2:14-32). لكن الله لا يريد فصل أحـد، يريـد الجميـع. الأبرص، ذلك المفصول يشتاق للعودة من خلال إيمانه بشخص المسيح قدرة الله (فسجد له)، فيبين أن يسوع قادر على تطهيره. موقع النص في هذا المكان يشير إلى أن يسوع لا يريد إبطال الشريعة بل إكمالها (17:5). هو يحفظها بإرسال الأبرص المشفى إلى الكاهن، يكملها بفعل لا تقدر الشريعة من ذاتها عليه. هذا ما بينه ملك إسرائيل عندما أرسل إليه ملك آرام رئيس جيشه (نعمان السوري) ليشفيه من برصه، قائلاً " ألعلي أنا الله الذي يميت ويحيي، حتى أرسل إلي هذا أن أشفي رجلاً من برصه ؟ إعلموا وأنظروا أن هذا إنما يتحرش بي " (2 مل 7:5). يسوع النبي، قدرة الله، رجل الله هو القادر على أن يحيي، يشفي، يشبع... إلخ.
   قدرة يسوع ليست عمياء، بل هي قدرة الله ذاتها الفاعلة في تحقيق ملكوته، غايتها تحقيق خير الإنسان، سعادته، شفائه، طهارته، حريته. الشريعة تريد كل ذلك وتدعو إليه لكنها عاجزة من ذاتها في تحقيقه.

ثالثًا : وثني ينال إعجاب الله (5:8-13)
   يطلب يسوع من الأبرص الذهاب إلى الكاهن ليريه نفسه (4:8) هذا يعني أن الأبرص كان يهوديًا. ربما يلاقي هذا الشفاء قبولاً من الجماعات المسيحية والتزامًا من يسوع نحو جماعته في الوقت ذاته كونه راعي إسرائيل. لكن ما يدعونا للتأمل هو الشفاء الثاني في سلسلة الشفاء الثلاث التي ذكرناها. ألا وهو شفاء عبد قائد المئة.
   إيمان قائد روماني بسلطان يسوع ويَعتبر أن كلمة من يسوع كافية للشفاء (8:8). أي إيمان هذا حتى يسوع يتعجب منه ؟ ألم يكن إسـرائيـل أجـدر بهـذا الإعجاب. ألم يعتبر يسوع نفسه راعي إسرائيل ؟ كما يبين يسوع ذلك بنفسه في لقائه مع الكنعانية (متى 24:15). على العكس تمامًا، حركة قائد المئة هذه تصبح مناسبة تهديد نبوي لإسرائيل لكي يتوب، وفي الوقت نفسه دعوة للوثنيين بأن يلمسوا قدرة الله المُحبة وغير المحتكرة لأحد لأنها فياضة للجميع. ما يجعل هذه القدرة فعالة تعطي ثمرها، صيغة النداء التي يكررها القائد الوثني مرتين (يا رب) (5:8 و8) بل أكثر من ذلك، هي صيغة إحترام وتقوى عميقة في الوقت ذاته، تظهر أن هذا الوثني ليس له خيار آخر للحصول على حاجته. هو غير مستحق أن يدخل يسوع تحت سقف بيته (8:8)، إنه يقر بذلك. ما يقوله وما يفكر به ليس بعيدًا عن تفكير بطرس كبير التلاميذ وأولهم " يا رب تباعد عن سفينتي فأنا رجل خاطيء " (لو 8:5). كلمات تكشف عن المسافة بين الخاطئ ويسوع الذي بسلطان يمنح الخاطئ فرصة للعودة. لذلك لا حاجة لذهاب يسوع إلى بيت القائد ليحقق رغبته، رغبة يسوع في الشفاء تفعل مفعولها، خارج حدود المكان والزمان. وهذا ما يفعله يسوع عندما يشفي إبنة الكنعانية في الفصل (15) عن بعد.
   هل يقصد متى في عمل يسوع هذا، أن يسوع نفسه لا يذهب إلى الأمم إلا بعد موته بواسطة تلاميذه " إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس.... " (19:28)، لا يريد متى ذلك لكن ما يهمه سلطان يسوع الذي يميزه كقدرة الله الخلاصية. هو ممثل الله، يأمر بسلطانه، مقارنة بممثل السلطة، القائد الذي يأمر بسلطان منها. ما يدعو يسوع للتعجب هو إيمان هذا القائد ليس بسلطان يسوع فحسب لكن هذا السلطان مستمد من آخر. فبالطريقة التي يستمد هذا القائد سلطانه من رئاسته، هكذا المسيح يستمد سلطانه من الله. لمثل هذا القائد قد أعطي الجلوس على مائدة ملكوت الله مع إبراهيم وإسحق ويعقوب، هذا الملكوت ليس إستحقاقًا لأحد لأنه نعمة، عطية مجانية، لمن يقبلها ويعمل على تحقيقها، بغض النظر عن إنتمائه الديني أو العرقي أو القومي. من يقبل يسوع مخلصًا يحقق له (يسوع) الخلاص بالجلوس معه على مائدة الله. أما من يعتقدون أنهم أبناء الملكوت " اليهود " فيلقون في الظلمة البرانية (12:8)، صورة الهلاك الأبدي مقابل الملكوت الأبدي. كونهم رافضين الخلاص المعطى لهم في شخص المشيح.
الوعظ
   لا تغير الأعاجيب ما فينا من إيمان، لكن الإيمان يكشف عظمة قدرة الله التي نقف أمامها مندهشين متعجبين. نحن اليوم نرى أنفسنا في الأبرص. يقول لي يسوع اليوم، أريد، أطهر، بالعماد والإعتراف اليومي بأبوة الله والرغبة العميقة في الكون معه دائمًا والعمل على تحقيق ذلك الإنتماء وتلك الرغبة حين يطهرني يسوع ويمكنني من أن أعمل مشيئة الله الطيبة. هذا الإيمان المتواضع (في شخص القائد) يجعل الله يتعجب أمامي. إنه فرحان مندهش من روعتي. هو يعمل أعاجيب، كما يعمل يسوع مثله، والإنسان أيضًا يعمل أعاجيب. قائد المئة، أنا، أنت، كل واحد فينا، عندما يقف أمام الله موقفًا صحيحًا يتعجب مني، " أعجب به يسوع..... " (10:8).
   إنجيل هذا الأحد يدعونا أن نطلب حضور الله الدائم في حياتنا فنعيش ذلك الملكوت الذي دعانا إليه. ليس استحقاقًا ولا تَملُّكًا، بل استسلام لله واندهاش من صنع يديه والعمل بما يجعل الله يتعجب ويفتخر بنا. لأنه قريب جدًا منا وطيب، إنه يدعونا لنكون أعجوبة له.