الأخوّة المسيحيّة و بناء ملكوت الله (81)
12/11/2017
الأحد السادس من زمن الصوم
الأخوّة المسيحيّة و بناء ملكوت الله
الأب فريد بطرس
الأحد السادس من زمن الصوم
” فَما بالُك يا هذا تدينُ أخاك ؟ و ما بالُك يا هذا تزدري أخاكَ ؟ سنَمثُلُ جميعاً أمام محكمة الله . فقد ورد في الكتاب :" يقولُ الرَّبّ : بِحَقِّي أنا الحي ، لي تجثو كلُّ رُكبة ، و يَحمَدُ الله كلُّ لسان ". إن كلَّ واحدٍ منَّا سيؤدِّي إذاً عن نفسهِ حساباً لله .فليكفَّ بعضُنا عن إدانة بعض ، بل الأولى بكم أن تحكموا بأن لا تضعوا أمام أخيكم حجر صَدمٍ أو عثرة . إني عالمٌ عِلمَ اليقين ، في الرَّبّ يسوع ، أن لا شيءَ نجسٌ في حد ذاته ، و لكن من عَدَّ شيئاً نجساً كان له نجساً . فإذا حَزِنَ أخوك بتناوُلك طعاماً ، فلم تَعُد تسلُكُ سبيلَ المحبَّة . فلا تُهلِك بطعامك من ماتَ المسيحُ لأجلهِ ، فلا يُطعن في ما تنعمون بهِ . فليس ملكوتُ الله أكلاً و شرباً ، بل برٌّ وسلامٌ و فرحٌ في الرُّوحِ القُدُس . فمن عمل للمسيح على هذه الصورة هو مَرضِيٌّ عند اللهِ و مُكرَّمٌ لدى الناس . فعلينا إذاً أن نسعى إلى ما غايتُه السلامُ و البُنيانُ المتبادل . لا تهدم صنع الله من أجل طعام . كلُّ شيءٍ طاهر، و لكن من السُّوءِ أن يأكل المرءُ فيكون حجر عثرةٍ لغيرهِ ، و من الخير ألا تأكُلَ لحماً و لا تشرَبَ خمراً و لا تتناول شيئاً يكون حجر عثرةٍ لأخيك . أمَّا يقينُك فآحفَظه في قرارةِ نفسِكَ أمام الله . طُوبى لمن لا يحكُمُ على نفسه في ما ُيقرِّرُه ! و أمَّا الّذي تُساورُه الشكوك ، فهو محكومٌ عليه إذا أكَل ، لأنه يفعلُ ذلك عن يقين . فكلُّ شيء لا يأتي عن يقينٍ هو خطيئَة ".
( روم 14/10-23 )

أولاً – ماذا يقول هذا النص ؟
كان أبناء كنيسة رومة معرّضين لخطرين روحيين كبيرين : تسرب المبادئ اللا أخلاقية الوثنية إلى قلوب المؤمنين من جهة أولى ، و خطر أنقسام بعضهم على بعض من جهة ثانية ، و يعود خطر الأنقسام إلى وجود فئتين متنافستين ، إحداهما من أصل يهودي و الأخرى من أصل وثني .
سيكون وجود هاتين الفئتين في كنيسة رومة سبباً أساسياً لعرضٍ عقائدي ، يمثل القسم الأكبر من الرسالة ، و يتناول تبرير الإنسان الخاطئ بالإيمان بالمسيح الفادي لا بالشريعة اليهودية ، و لكنه في الوقت نفسه سيؤثر على الحياة الأخلاقية العملية ، حيث ستبرز فئتان غير متوافقتين ، إحداهما قوية و الأخرى ضعيفة .
فمن هم الأقوياء و الضعفاء ، كما يظهر في رسالة مار بولس إلى أهل رومة ؟
الأقوياء : هم المسيحيون الذين لهم إيمان ثابت بالمسيح ، و يعرفون جيداً ما هو مسموح و ما هو ممنوع ، و لهم سلوك ديني قويم و صحيح سواء أكانوا يهوداً أم وثنيين .
1
الضعفاء : هم المسيحيون الذين لهم إيمان بالمسيح ، و لكنّ معرفتهم الدينية ناقصة و مشوّهة ، و من عاداتهم الخاصة أنهّم يمتنعون عن تناول اللحم في بعض أيام السنة فلا يأكلون إلا البقول . و يعتبرون أن لبعض أيام السنة أهميّة أكبر و قدسية أعظم من سائر الأيام .
اطلّع مار بولس على هذا الواقع الكنسي ، فتوّجه إلى الطرفين و طلب تحاشي الانتقادات المتبادلة و الأحكام الجائرة ، و أتّباع أوامر ضمائرهم في جو من المحبّة الأخويّة .
يوبّخ مار بولس الطرفين ، ذلك لأن الضعيف يدين القوي ، و القوي يحتقر الضعيف ، و بيّن لهما بأنّ الله وحده الديّان (12/19) و المسيح القائم من الموت يشاركه في هذا العمل (2/16) . فعلى الإنسان و كما يرى الرسول بولس ، أن ينطلق من يقينه و من  صوت ضميره ليحيا للربّ دون أن يسعى لإدانة الآخرين .
انطلاقاً من ذلك ، يعطي مار بولس قاعدةً لسلوك المسيحي ، تتمثل في ضرورة يقين الضمير الخلقي قبل المباشرة بأي عمل ، لأنّ كل عمل لا يأتي عن يقين الإيمان فهو خطيئة (14/23) . فإذا لم يصل المسيحي إلى ذلك اليقين ، وجب عليه الأمتناع عن القيام بعملٍ مشكوك في صلاحه . لقد استنتج مار بولس ضرورة مرجعية يقين الضمير الخلقي في الحياة الإيمانية العملية العلائقية ، فعرض التطبيقات التالية :
1-    خليقة الله الطاهرة و الطعام النجس
إن خليقة الله طاهرة ، فلا طعام نجس في حد ذاته ، و قد صرّح يسوع نفسه بذلك ( مر 7/14-15 )، و لكن من أكدّ له ضميره المتيقن أن هذا الطعام نجس ، أصبح هذا الطعام نجساً بالنسبة إليه ، و إن كان ضميره مخطئاً في حكمه . فيقين الضمير هو الحاكم :" إنني عالم علم اليقين في الربّ يسوع ، أن لا شيء نجس في حد ذاته ، و لكنّ من عدَّ شيئاً نجساً كان له نجساً " ( 14/14 )
و ما دام يقين الضمير هو الحاكم ، فيجب على المسيحي أن يحتفظ به ، معتبراً إياه مرجعاً لإيمانه (14/22) و لكن إذا شكّ أحد فيما إذا كان هذا الطعام مسموحاً به أم ممنوعاً ، و أكل منه و هو في حالة الشك ، حكم على نفسه بالخطيئة (14/23) . و ينطبق هذا الأمر على جميع القضايا الأخلاقية ، فلا يجوز للمسيحي مثلاً: أن يشاهد فيلماً أو يقرأ كتاباً و هو يشك في صلاحه و منفعته .
2-    لا يجوز لأحدٍ أن يكون سبب خطيئة لأخيه
إنّ المحبّة وحدها تضع حدّاً للمجادلات العقيمة ، و هي التي تقود الأقوياء لئلا يصبح سلوكهم سبب عثرة لأخوتهم الضعفاء . فإذا تناول المسيحي طعاماً ، يظنه أخوه المسيحي طعاماً ممنوعاً ، فأنّه يكون سبب شك و عثار و سقوط للآخر ، فيخالف عندئذٍ مقتضيات المحبّة الأخوية (14/15) .لا ريب أن كلّ طعام طاهر ، و لكن لا يجوز للقوي أن يهدم عمل الله و يدفع إلى الهلاك أحد أخوته الضعفاء بسبب تناوله الطعام و الشراب (14/20-21) .
2
و يبين مار بولس سبب الامتناع عن تناول أكل اللحم و شرب  الخمر ، إن كان في ذلك عثار للآخرين ، فيقول :" فلا تُهلك بطعامك من مات المسيح لأجله " (14/16).                                              
إن هذه القاعدة الإيمانية الأخوية ، تمنع المسيحي من القيام بأي عمل يجر الآخرين إلى ارتكاب الخطيئة ( مت 18/6-7) ، و لذلك ليست حريّة الإنسان المعطاة بنعمة إلهية امتيازاً ، يؤهّل القوي لاستخدامها بما يسبب عثاراً للضعيف ، فتتحوّل تلك الحرية إلى دينونة للقوي ، لأنّها صارت سبب شرّ لأخيه الضعيف .
3- ليس ملكوت الله طعاماً و شراباً بل برّ و سلام
ختم مار بولس التطبيقات العملية بهذه الفكرة الروحيّة الإيمانية العميقة ، و التي يمكن توضيحها بالنقاط التالية:
1) السعي لعيش ملكوت الله ، لا يتوقف عند حدود الطعام و الشراب ، بل يشمل أموراً أسمى و أعمق .. إنّه السعي إلى بلوغ البرارة ، و التمتع بسلام الضمير ، و اختبار الفرح الروحي النابع من سكنى الروح القدس في القلب :" إن ملكوت الله برّ و سلام و فرح في الروح القدس " (14/17) .
2) إنّ من يتطلع لعيش حياةٍ ، تتصف بالتقوى و النقاء و التمسك بإرادة الله في كل ظرف ، يعلم جيداً بأن الحياة المسيحية ليست ممارسات دينية شكلية فقط ، بل هي أتحاد بالمسيح و حبّ صادق لله يسمو على الماديات ، و يتجلّى بإيمانٍ و عبادة و تضحية و خدمة المسيح و الكنيسة و الآخرين :" فمن عمل للمسيح على هذه الصورة فهو مرضي عند الله و مكرّم لدى الناس " (14/18).
3) إن الناس الذين ذكرهم القديس بولس في الآية (14/18) هم المؤمنون كلّهم الأقوياء و الضعفاء .. و هذا ما حمله أن يستنتج من الفكرة الروحية التي طرحها ، نتيجة عملية هامة ، و هي أنّ الإيمان و تجسيد ملكوت الله ، يتحقق عندما نحافظ كلّنا على السلام و المصالحة مهما اختلفت لدينا الآراء ، و أن نشترك جميعاً في بناء الكنيسة ، التي تضمنا نحن المؤمنين بعضنا إلى بعض من دون تمييز أو تفرقة: " فعلينا أن نطلب ما غايته السلام و البنيان المشترك " (14/19) .
ثانياً -  ماذا يقول لنا النص لنا كمسيحيين و لكنائسنا ؟
إنّ الكنيسة لكونها جسد المسيح و سرّ ملكوت الله ، تسعى لتجسيد هذا الملكوت و تحقيق رسالة المسيح الخلاصيّة  من خلال شهادتها لحياة مسيحيّة أخويّة ، و لذلك عليها أن تكون علامة حيّة لحضور المسيح الواحد من خلال كنائس ، تعرف قبولاً للآخر المختلف في مستوى نضوجه الإيماني ، و معرفته و عيشه لمتطلبات صوت الضمير و المحبّة الإلهيّة ؛ فلا تكون الممارسات الدينية و الفرائض الخارجية و التقويات الموروثة ، و المفاهيم و المعارف الشخصيّة أو العائلية أو الفئويّة سبباً للفرقة و الأنقسام ، أو الدينونة و الاحتقار و الصدام داخل الجماعة الكنسيّة الواحدة ، و في تفاعل و تعامل الكنائس مع بعضها البعض .
3
إن الكثيرين من أبناء الكنيسة و لا سيما المسيحيين الشرقيين و حيثما كانوا ، يركزون في ممارسة تدينهم على ما هو مادي و خارجي على حساب ما هو روحي و جوهري ، فمثلاً خلال أزمنة الصوم المختلفة ، ينشغلون بأنواع المأكولات و المشروبات و المسموحات و الممنوعات ، و يتسابقون في إظهار الذات و ممارسة الشكليات ، فيهملون الصلاة و التأمّل و استقبال كلمة الحياة ، و التحرر من الخطيئة و العبوديات ، و لا يبادرون إلى التضامن و تقدمة الذات .
إن واقع كنيسة روما الإيماني ، كان منقسماً بين أقوياء يحتقرون الضعفاء لنقص معرفتهم ، و يستخدمون حريتهم و معرفتهم بما يسبب شكاً و عثرة لأخوتهم .
أما الضعفاء فكانوا يتمسكون بعادات و مأكولات و ممنوعات ، يعتبرونها صالحة و مقدسة ، فيدينون الأقوياء .
يدعو مار بولس المؤمن القوي أن ينتبه لسلوكه فلا يكون سبباً لمعثرة و سقوط الضعيف في الخطيئة من خلال دفعه لمخالفة ضميره الخلقي .. إنّ المسيحي القوي كما الجماعات الكنسيّة أو الرسولية القويّة مدعوة إلى محبّة أخويّة خلاصيّة ، لا إلى إدعاء حريّة ، تسمح بممارسة طرائق و فعاليات لا تناسب واقع شعبنا و مفاهيمه ، فتسبب شكاً وأذى و تشويشاً ، بدل أن تكون لأجل نموهم و إعطائهم الحياة و الخلاص ، هذا ما نراه في الحركات المواهبية غير المنضبطة ، و البدع و الشيع ، التي تهدم و تقسّم ؛ فتخالف بذلك عمل المسيح الخلاصيّ ، الذي مات من أجل الخطاة و الضعفاء و الهالكين .
اليوم و مع تطور المفاهيم و الحياة و طرق ممارسة الإيمان ، يلعب و للأسف بعض المؤمنين الأقوياء و منهم بعض الكهنة و المكرسين دوراً مشككاً تجاه الألتزام بالتعاليم و الوصايا الكنسية من أصوام و صلوات و تخليات و سواها بحجة تغليب الروح على الشريعة ، فيقودون - من حيث لا يعلمون على الأغلب - ضعاف الإيمان إلى النقد و التشكيك و النميمة ، و أحياناً إلى التعصب و التزمت بالشرائع و الوصايا ، و تارة أخرى إلى الأنفلات و اللامبالاة تجاه الكنيسة و الإيمان . إن إحدى الطرق الأساسيّة لنقل البشارة الخلاصية و التأثير على نمو و نضوج الآخرين بالروح ، تكمن في دخولنا إلى عالمهم ، فنصبح مثلهم لكي نربحهم للمسيح كما يقول مار بولس :"  مع أنّي حرّ من جهة الناس جميعاً ، فقد جعلت من نفسي عبداً كي أربح أكثرهم .. و صرت للضعفاء ضعيفاً لأربح الضعفاء .. و أفعل هذا كلّه في سبيل البشارة ،  لأشارك فيها " (1 كو 9/19-23) . لا شك أن ملكوت الله ليس مرتبطاً بممارسات خارجية و تقويات معينة تقليدية موروثة ، بل بحياة إيمانية ناضجة ، تؤدي إلى التخلي عن الكبرياء و الدينونة و الأزدراء ، و أتبّاع خطى المسيح بمحبته الإنسان الآخر حتى الموت لأجله ، و هذا ما يقود إلى اختبار فرح الروح ، و الشراكة في تحقيق السلام ، و بناء الكنيسة .


4
للأسف كثيراً ما نرى الأنقسامات تنهش أجساد كنائسنا ، فالجماعة الكنسية الواحدة ، تتحول إلى مجموعات و تحزبات متخاصمة و متعادية أحياناً ، و الكنائس المتنوعة تصبح جزراً متباعدة في بحر هذا العالم .. و يعود ذلك إلى العقلية المنغلقة و المتشبثة بالأفكار الشخصية الضيقة ، أو إلى التقاليد الموروثة و المُعتبرة مقدسة ، بالإضافة إلى إدعاء امتلاك الحقيقة و المعرفة دون الآخرين ، و شهوة التسلط و التملك و التعالي و التعجرف .
إننا و من خلال دعوة مار بولس لأهل رومة ، مدعوون بألاّ نقف عند الشكليات و الأختلافات ، بل نسعى إلى تجسيد شراكة كنسيّة أخويّة ، تحقق النمو و البنيان للأشخاص و للكنيسة ، فنكون بناة حقيقيين لملكوت الله على الأرض ، ملكوت المحبّة و الفرح و السلام ، و هذا ما يتطلب ضميراّ خلقياً مستناراً بنور المسيح ، الذي لم يأت ليدين العالم بل ليخلّصه .

ثالثاً – صلاة من وحي النص
يا إلهنا الصالح القدوس ، لقد خلقت كلّ شيء في الوجود حسناً طاهراً و لم تصنع شيئاً نجساً ، و أردت للأنسان أن يتسلط على المخلوقات و يستخدمها لتمجيدك و تقديسك ، و لم تترك الأنسان وحيداً ، بل خلقت له أخاً و شريكاً .. فلا تجعل يا إلهنا ، أن تكون الأطعمة و المشروبات ، و العادات و التقاليد الموروثة و المفاهيم و المعتقدات المختلفة سبباً لأنقسام الأخوة ، و السقوط في مستنقع الحقد و الخطيئة.
لقد أرسلت أيها الآب السماوي ابنك الوحيد إلى العالم ، ليجمع المتباعدين و يقود الجميع إلى وليمة المحبّة و الشراكة ، فأفتدى بصليبه المقدّس كلّ البشر ، و أولهم الخطأة و الضالين و الضعفاء .
لا تجعل يا ربّ من أبناء الكنيسة ، أشخاصاً يخضعون لصوت الشرّ و الكبرياء ، و الدينونة و الاحتقار ، بل يصغون إلى صوت الضمير و الروح ، فيعرفون سبيل المحبّة الأخويّة و الموت عن الذات ؛ فحينها تصبح كنيستك علامة حيّة لحضور ملكوتك على الأرض ، فتقود البشريّة جمعاء نحو الشراكة و السلام ، و النمو و البناء .
لك المجد يا أيها الآب و الابن و الروح القدس ، من الآن و إلى الأبد . آمين