مجيء المسيح وشمولية الخلاص (80)
12/11/2017
الأحد الثالث من زمن البشارة
مجيء المسيح وشمولية الخلاص
الأحد الثالث من زمن البشارة
الأب فريد بطرس
   " لِذلِكَ أَنا بولُس سَجينَ المَسيحِ يسوعَ في سَبيلِكم أَنتُمُ الوَثَنيِّين... إِذا كُنتُم قد سَمِعتُم بِالنِّعمةِ الَّتي وُهِبَت لي بِتَدبيرٍ إلهيٍّ مِن أَجلِكُم وكَيفَ أُطلِعتُ على السِّرِّ بوَحيٍ كما كَتَبتهُ إِلَيكم بإِيجازٍ مِن قَبلُ. فتَستَطيعون، إِذا ما قرأتُم ذلك، أَن تُدرِكوا تَفَهُّمي سِرَّ المسيح، هذا السرُّ الَّذي لم يُطلَعْ عليه بَنو البَشَرِ في القُرونِ الماضِية وكُشِفَ الآنَ في الرُّوحِ إِلى رُسُلِه وأَنبِيائِه القِدِّيسين، وهو أَنَّ الوَثَنيِّينَ هم شُرَكاءُ في المِيراثِ والجَسَدِ والوَعْد في المسيحِ يسوع، ويَعودُ ذلك إِلى البشارةِ الَّتي صِرتُ لَها خادِمًا بِنِعمة ِاللهِ الَّتي وَهَبَتها لي عِزَّتُه القديرة. أَنا أَصغَرُ صِغارِ القِدِّيسينَ جَميعًا وُهِبَت لي هـذه النِّعمةُ وهـي أَن أُبَشِّرَ الوَثَنِيِّينَ بِما في المسيحِ مِن غِنًى لا يُسبَرُ غَورُه وأُبَيِّنَ كيفَ حُقِّقَ ذلك السِّرُّ الَّذي ظَلَّ مَكتومًا طَوالَ الدُّهورِ في اللهِ خالقِ جَميعِ الأشياء، فآطَّلَعَ أَصحابُ الِّرئاسةِ والسُّلطانِ في السَّمَوات، عن يَدِ الكَنيسَة، على حِكمَةِ اللهِ الكَثيرةِ الوُجوهِ، وَفقًا لِتَدبيرِه الأَزَليّ، ذلكَ الَّذي حَقَّقَه بِالمسيحِ يسوعَ ربِّنا. وبِه نَجرُؤُ، إِذا آمنَّا بِه، على التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ مُطمَئنِّين، فأسالُكم أَلاَّ تَفتُرَ هِمَّتُكم مِنَ المِحَنِ الَّتي أُعانيها مِن أَجلِكُم، فإِنَّها مَجْدٌ لَكم ".                        (أف 1:3-13)
أولاً- ماذا يقول هذا النص ؟
   بعدما وصف بولس الرسول مخطط الله الخلاصي في مرحلتيه الأزلية والزمنية التدبيرية، وأكّد أن المرحلة الزمنية قد تحققت فعلاً عندما نال الجميع نعمة القداسة والخلاص بإنضمامهم إِلى المسيح، مؤسس الكنيسة وفاديها، إنتقل إِلى وصف الدور الذي عُهد إِليه في تبشير الوثنيين بالإنجيل، فأطلعه الله على سره لهداية الوثنيين، عاهدًا إليه أن يبشرهم بالمسيح.
1- الروح القدس يكشف لبولس والرسل عن سر المسيح
   بدأ بولس كلامه لأهل أفسس قائلاً : " أنا بولس سجين المسيح يسوع في سبيلكم أنتم الوثنيين... " (أف 1:3). يتفق هذا القول مع ما حدث معه في باحة هيكل أورشليم، عندما هيّج عليه الجمع يهودًا جاءوا من مقاطعة آسية وصرخوا : " هذا هو الرجل الذي يعلّم الناس جميعًا في كل مكان تعليمًا يسيء إِلى شعبنا وشريعتنا وهذا المكان... " (أع 28:21) فلما قبض عليه الجنود إستأذن الكلام وأخذ يخطب في الجمع وهو في الباحة قال : " بعدما شهدت موت إسطفانس قال لي الرب : " أمضِ فأنا مرسلك إلى مكان بعيد، إلى الوثنيين... فلما سمعوا كلمة " الوثنيين " ، رفعوا أصواتهم قائلين... إنّه لا يستحق الحياة " (أع 22-22:21) ؛ وقد أصبح بولس بعد هذا الخطاب سجينًا في قيصرية، ثم نُقل إلى روما حيث قضى سنتيـن في الإعتقـال ببيت خاص (أع 27،28).
1) بولس السجين المطّلع على السر الإلهي
   بولس السجين في روما ليس سجينًا لأية سلطة بشرية، شخصية أو حكومية، رومانية أو يهودية، بل هو أسير حب المسيح، أي أسير حب وجودي إتحادي مع المسيح. هذا الحب، حب المسيح له، يدفعه لأن يرد بعضاً قليلاً منه، من خلال كرازة خلاصيّة للأمم.
   إن ذلك السر الإلهي، سر إختياره لتبشير الوثنيين، لم يأت إلا نتيجة لوحي إلهي خاص، كُشف له على طريق دمشق، وصار إختبارًا لنعمة إهتداء، أضحت منطلقًا لنقل بشارة الخلاص إليهم : " قد سمعتم بالنعمة التي وهبت لي بتدبير إلهي من أجلكم " (أف 2:3).
2) الروح القدس يكشف للرسل أيضًا مضمون السر الإلهي
   إن ذلك السر، سر قبول الأمم كشركاء في الجسد والمجد والميراث، لم يطلّع عليه الناس قبل مجيء المسيح : " هذا السر الذي لم يطلّع عليه بنو البشر في القرون الماضية " (أف 5:3) كان اليهود ينتظرون وحدهم مجيء المسيح الموعود، وكانوا يظنون أنه يأتي لأجل خلاصهم فقط دون سائر الأمم. أما الوثنيون فكانوا يجهلون أن الله قد وعد البشرية، بأن يرسل إليها المسيح المخلص، ولذلك بقي مجيء المسيح، ليخلص البشر أجمعين سرًا مخفيًا عن اليهود والوثنيين معًا مدة قرون طويلة.
   ولكن الروح القدس كشف مضمون هذا السر الخفي، وأعلن للرسل القديسين وللأنبياء المسيحيين أن المسيح قد جاء ليخلص الناس أجمعين، وأن الوثنيين هم أيضًا مع اليهود أهل الميراث الواحد وأعضاء في جسد الكنيسة الواحدة وشركاؤهم في الوعد الواحد لأنهم آمنوا بإنجيل يسوع المسيح (أع 10-45:44).
2- النعمة الإلهية تعهد إلى بولس بشارة الوثنيين
1) إختيار الله لبولس كخادم للبشارة
   لم يَكتف الله بأن أطلع بولس على سر هداية الوثنيين، بل إختاره وعهد إليه القيام بمهمة تبشيرهم بالإنجيل، فاعتبر بولس هذه المهمة موهبة ونعمة مَنّ بها الله عليه : " ويعود ذلك إلى البشارة التي صرت لها خادمًا بنعمة الله التي وهبتها لي عزته القديرة " (أف 17:3) فقدرة الله هي التي حوّلت بولس من مضطهد للكنيسة إلى كارز وسط أهوال الإضطهادات، وهذه القدرة، قدرة المسيح، هي التي جعلته ينتصر على حالات ضعفه (2 كو 9:12). وبذلك يظهر مار بولس تواضعه العميق، فهو ليس إلا أصغر القديسين، الذي سُلِّم نعمة، ليست إلا من غنى المسيح اللامحدود الذي لا يستقصى.
2) الكنيسة تعلن سر حكمة الله اللامتناهية
   إن الكنيسة التي عرفت بدعوة بولس الإلهية لتبشير الوثنيين بالإنجيل، أعلنت للناس أجمعين مخطط السّر، الذي بقي مكتومًا طوال الدهور السالفة في قلب الله، خالق الكون والملائكة والبشر، كما أطلعت الملائكة على حكمة الله اللامتناهية.
   وسبب الكشف عن السر الإلهي، يعود إلى تحقيق ما كان مقررًا منذ الأزل، وهو أن يخلص الله بواسطة إبنه يسوع جميع الناس، يهودًا كانوا أم وثنيين  : " وفقًا لتدبيره الأزلي، ذلك الذي حققه بالمسيح يسوع ربنا " (أف 3-11).
   فإذا ما آمنا بالمسيح يسوع، إستطعنا أن نتجرأ كلنا، يهود ووثنيون على الدنو من الله بثقة تامة، لما للمسيح من دالة بنوية، تصلنا بالله أبينا السماوي.
3) آلام بولس التبشيرية مجد للمسيحيين
   بعدما شرح بولس للمسيحيين، الذين هم من أصل وثني، حكمة الله، التي شاءت أن تهديهم إلى الإيمان وتخلصهم، عاد إلى ذكر آلامه في سبيلهم، ولكنه في الوقت نفسه يشجعهم ويدعوهم بألا يخوروا ويتراخوا ويتراجعوا بسبب سجنه ومضايقه وآلامه، بل أن يفهموا ويؤمنوا ويختبروا أن تلك المحن ليست إلا من ضمن خطة الله الأزلية الخلاصية، التي لن تعطلها القيود والمعاناة، بل ستتحول إلى خير وخلاص وتمجيد لله.
ثانيًا- ماذا يقول هذا النص لنا ولكنيستنا ولعالمنا المعاصر ؟
   يقول المجمع الفاتيكاني الثاني في بيانه حول علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية : " فالكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئًا مما هو حق ومقدس في هذه الديانات، بل تنظر بعين الإحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالبًا ما تحمل شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير كل النـاس.. ولكن عليها أن تبشّر بالمسيـح دون إنقطاع، إذ إنـه هوَ الطريـق والحق والحياة " (يو 6:14)، فيه يجد الناس كمال الحياة الدينية وبه صالح الله كلّ شيء ".
   إن التدبير الإلهي لاختيار بولس الرسول كمبشر للوثنيين، كان إظهارًا لمخطط الله وإرادته في خلاص جميع البشر، اليهود والوثنيين أيضًا. هذا ما فهمه بولس جيدًا بنعمة خاصة، وقبله وعرّضه للمحن والآلام، وهذا ما تحاول الكنيسة أن تعلنه بطرق متعددة، ولا سيما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، وإنفتاح الكنيسة على العالم والشعوب والديانات الأخرى غير المسيحية.
   واضح مما جاء في بيان المجمع الفاتيكاني الآنف الذكر، أنّ الكنيسة تحترم كلّ ما لدى الديانات الأخرى من طرق للعيش وطقوس وتعاليم وعقائد، وتجد فيها شعاعًا من الحقيقة، ولكن في الوقت نفسه ترى ضرورة التبشير بالمسيح كشمسٍ للحقيقة الخلاصية الكاملة.
ولكن كيف يمكن التوفيق بين إحترام الكنيسة للأديان الأخرى، وإعلانها الخلاصي بيسوع المسيح ؟
لقد برزت عبر تأريخ الكنيسة، ثلاثة تيارات أساسية :
- تيار أوّل : يحابي ويجامل، فيعتبر المسيحية ديانة كبقية الديانات، وأن الحقيقة نسبية وتتواجد في كل الديانات، ولا فروقات جوهرية بينها.
فلا يرى أصحاب هذا التيار في يسوع المسيح الحقيقة المطلقة الكاملة، التي تقود إلى الخلاص، ولا يرون في يسوع الناصري، إلهًا متجسدًا ومسيحًا وإبنًا لله.
- تيار ثانٍ : لقد كان متداولاً وراسخًا عند الكثير من المسيحيين ما قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، بأن لا خلاص خارج الكنيسة المنظورة، وهذا ما كان يقود إلى التعصب ورفض الآخر بأشكاله المختلفة، وبناء جماعات معينة تدّعي الخلاص وحدها دون غيرها، وهذا ما نجده إلى اليوم عند عدد ليس بالقليل من الحركات والشيع، لا سيما البروتستانتية منها.
- تيار ثالث : وهو الذي يمثل كنيسة اليوم، ولا سيما الكنيسة الكاثوليكية، حيث إنفتاح الكنيسة على المختلفين ديانةً و معتقدًا و ثقافةً، وهذا ما أظهره عدد من الباباوات، لا سيما البابا القديس يوحنّا بولس الثاني وكسره لجدران الإنفصال والخصام والأحكام المسبقة.
   هذا التيار المُنفتح والمُبشر بالوقت نفسه، يدعو إلى التحاور والإنفتاح، والتثاقف وإعلان البشارة. هذا التيار الثالث هو القادر على إعلان الحقيقة الخلاصيّة بالمسيح يسوع، ولكنه في الوقت نفسه لا يسيء مطلقًا لحريّة الآخرين في الإعتقاد والعيش.
   وهذا التيار هو الّذي يبتعد عن كلّ ما لا يتوافق مع روح المسيح، الّذي يريد أن يجمع ويوحّد، لا أن يفرّق ويكفّر.
   ما يعانيه عالمنا اليوم، لا سيما مجتمعاتنا الشرقية، من رفض للآخر المختلف دينيًا أو مذهبيًا، ومعاداته وتكفيره، وصولاً إلى إضطهاده وقتله أحيانًا، سببه إدّعاء إمتلاك الحقيقة وحده دون غيره. إن الله هو أب للجميع، وقد خلق الجميع على صورته، وبالتالي جميع البشر مدعوون ليكونوا واحدًا، لا متعادين متخاصمين متقاتلين.
   يحتاج عالمنا اليوم إلى روح المسيح وذهنية الإنجيل، التي تعتبر الإنسان مقدّسًا ومدعوًا للشراكة ببعديها العمودي والأفقي، كما ويحتاج إلى نماذج حيّة للتحاور والإنفتاح والإرتقاء نحو عالم الروح، كالطوباوي شارل دي فوكو وأخوّته الشاملة، والأم تريزا ومحبتها الإنسانية لكل المهمشين والمتعبين، دون تمييز في العرق والدين.
   إن دعوة مار بولس ورسالته لتبشير الوثنيين لم تكن رفضًا لليهود وخلاصهم بالمسيح، ولكنها كانت سبيلاً لتحقيق سرّ الله في خلاص الجميع بواسطة الإيمان بالربّ يسوع. إن رسالة مار بولس التي لم تتوقف عند المعتقدات والموروثات الدينية، تخرجنا إلى عالم الإنسان، إنسان اليوم - حتى البعيد عن الله كليًّا - بكل توجهاته الإجتماعية والثقافية، وبكل ما يعيشه من ضياع وآلام وبحثٍ عن المعنى والوجود، وكل ما يعتريه من طموحات ورغبات كامنة.
   هذه الرسالة البولسيّة، تدعونا إلى أن نبشِّر بمسيحٍ مخلّص قادر أن يوّحد الإنسان مع ذاته ومع الله، ومع كلّ إنسان.
   لا يمكننا أن نبشر بهذه الرسالة التصالحيّة الوحدوية الشاملة، إلا بقبول إختياري للمحن والآلام، تجعلنا كَمار بولس، نشترك في آلام وصليب، ذاك الّذي بصليبهِ جعل من الجماعتين، جماعة واحدة وهَدَمَ في جسده الحاجز الّذي يفصل بينهما.
ثالثًا- صلاة من وحي النص
   يا إلهنا الصالح المُحب، يا مَن تريدُ لجميع البشر أن يَعيشوا حياتَك الإلهيّة، إذ خَلَقْتَهم على صورتِكَ ومثالِكَ، فلا تريدُ لأحدٍ أن يكونَ بعيدًا عن تدبيرِكَ ونِعمَتِكَ.
إنّكَ تَدعو جميع البشر لكي يَكتَشفوا سرّك الأزلي، ويَختَبِروا تدبيركَ الخلاصي، الّذي كان مكتومًا مخفيًّا، وكَشَفتهُ بإبنك الوحيد الربّ يسوع، الّذي أعلنَ عن ملكوتِكَ وإرادتِكَ، بأن يكونَ البشرُ كلّهم أبناءَ لأبٍ سماويٍّ واحد.
   لقد كان إهتداءُ مار بولس على طريقِ دمشق بِفعل لقائهِ الشخصي بالربِّ يسوع القائم من الموت، منطلقًا لعلاقةِ حبٍّ وجوديّ، إستحوذَ على قلبِهِ وجَعلهُ يَكتشفُ، أنَّ نِعمةً إلهيّة تدعوهُ لإعلان سرّ المسيح الخلاصي، سرّ مشاركة الوثنيين في الميراث والجسد والوعد.
   لقد انطلقَ مار بولس مُبَشّرًا عالَمًا بَعيدًا عن كلمةِ الله والشريعة والطقوس والهيكل، فكشفَ عن تدبير الله في خلاصِ جميع البشر بلا إستثناء بالمسيح يسوع.
   أعطنا يا إلهنا، نعمةَ قبول سرّك الخلاصي، لكي نُظهر تدبيركَ في قلبِ عالمٍ تمزقُهُ الإنقسامات والصراعات والحروب الدينية والطائفية والمذهبية، وتَعبَثُ فيهِ قِوى الشرّ والفوضى والضَياع ؛ فنُبَشّر بإلهٍ أحبَّنا وافتدانا بإبنهِ، ووهَبَنا خَلاصًا، يستطيع أن ينقلنا إلى حياة النعمة والمحبّة والسلام، فَنُصبح واحدًا بالروح والقلب مع ذواتِنا والله والإنسان الآخر... لكَ المجد إلى الأبد.