" الله رأفة وغفران " العدد (85)
12/11/2017
تكمن فرحة الله في منح غفرانه للبشر حينما يرتكبون خطايا يندمون عليها. لا شيء يطيب للمولى أَكثر من ممارسة رأفته الأبوية. قال يسوع : " هكذا يكون الفرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أَكثر منه بتسعةٍ وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة " (لوقا 7:15).
" الله رأفة وغفران "
(مزمور 1:51)
الغفران تعبير رائع للرحمة
   تكمن فرحة الله في منح غفرانه للبشر حينما يرتكبون خطايا يندمون عليها. لا شيء يطيب للمولى أَكثر من ممارسة رأفته الأبوية. قال يسوع : " هكذا يكون الفرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أَكثر منه بتسعةٍ وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة " (لوقا 7:15).
   وجه يسوع عتابه للفريسيين الذين إِغتاظوا منه لأنه غفر خطايا المقعد بدافع رحمته (متى 2:9-8) ؛ وفي مثل الإبن الضال إنتقد يسوع الأخ الكبير لأنه إستاء من أَبيه الذي تحنن على إبنه الضال العائد إلى أَبيه نادمًا (لوقا 17:15-32).
   لم يعرف الفريسيون ولا الإبن الكبير أن يفرحوا لسعادة أخوتهم، وخاصة لأنهم لم يعرفوا أن يقاسموا مشاعر الآب السماوي وفرحته حينما غفر الأخطاء مجانًا وبدافع رحمته وحنانه ورأفته.
تجلي رحمة الله عبر غفرانه للإنسان
قـال أحـد آباء الكنيسة  فـي معرض شرحه آيات سفر التكوين  فقرة فقرة ما يأتي :
   " خلق الله الإنسان ثم إستراح " فتساءَل : ما سبب هذه الإستراحة ؟ فلقد خلقَ أجواق الملائكة، فلا أَرى أنه إستراح ؛ وأبدع السماء والأرض وكل ما فيها من حيوان ونبات من دون أن ينال منه التعب. فما سبب ذلك ؟ لقد وجدتُ السبب ؟
   إن السبب في ذلك هو لأن الملائكة يكملون إرادة الله في كل شيء، ولا يقومون بأي عمل سَيّء يندمون عليه ويطلبون عنه المعذرة والغفران. فلا يحتاج الرب أن يمنحهم الغفران ؛ ولا يحتاج الله أن يمنح عفوه وغفرانه للحيوانات، لأنها كائنات غير عاقلة، فليست مسؤولة عن أَعمالها.
   ولكن الإنسان كائن عاقل، بامكانه أن يقترف أَعمالاً سيئة، يتحمل مسؤولية القيام بها، ثم يندم على إرتكابها، ويحتاج إلى غفران الله، لذلك إستراح بعد خلقه، لأنه وجد كائنًا يغدق عليه غفرانه، مبينًا بذلك أنه أَبٌ رحوم، غفور.
حدود فرحة الغفران لدى الله
   أن يمنح الله عطاياه للإنسان، فلا صعوبة له في ذلك ؛ ولكن أن يستمر في العطاء حتى لمن لم يتجاوب ومتطلبات سخائه وينسى أن يشكره، ويغمر بعطاياه من يهينه، ويواصل منح عطاياه للضال، ويغمره بحنانه وغفرانه متى ما رجع نادمًا، لعمري هذا هو العطاء الكامل، هذه غبطة الله وسعادته الكاملة.
   لا يقابل الله الإنسان الذي يخونه، أي لا يكافيء الصالحين ولا يعاقب الأشرار، بل يستمر بمنح حنانه الأبوي حتى للخاطئين التائبين، هذا هو كمال الحنان، كما سبق وقال : " أحبوا أعداءَكم، أحسنوا لمن يسيء إليكم، صلوا من أجل الذين يضطهدونكم " (متى 44:5).
   فعل الله ما أَمرنا بالقيام به، فلقد غفر للمسيئين إليه وواصل منح عفوه لجلاديه وهو على الصليب قائلاً : " يا أبتِ أغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ما يفعلون " (لوقا 34:23).
الرحمة والمغفرة من سمات المسيحي المميزة
   إن الرحمة هي العلامة المميزة للمسيحي، ليس بسبب صعوباتها، ولكن لأنها تخلق تشابهًا جوهريًا بين الله الرحوم الغفور وبين الإنسان.
إن الله رحيم و" صديق للخطأة " (متى 19:11).
   إن الناس الأقرب إلى الله هم الناس الذين يحبون أعداءَهم، الذين يحسنون للمسيئين إليهم، الذين يعذرون مضطهديهم، على غرار أبيهم، إنهم أبناء الآب الرحيم الغفور، تطبيقًا لوصية يسوع القائل : " أحبوا أعداءَكم وصلّوا من أجل مضطهديكم لتصيروا بني أبيكم الذي في السموات، لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار وينزل المطر على الأبرار والفجّار " (متى 44:5-45).
حدود فرحة الغفران الإلهية بدافع الرحمة
لا حَدَّ لفرحة الله بمنحه الغفران، إلاّ حد واحد : حينما يرفض المرء منح الغفران للآخرين الذين يغفر الله لهم.
لا يعاقب الله شخصًا يرفض منح الرحمة والغفران ؛ بل يستمر بمنح غفرانه ورحمته، بانتظار أن يفتح المرء قلبه بما فيه الكفاية، بحيث يتمكن من منح غفرانه بدوره بدافع الرحمة.
لا يصدر الله الرحوم الغفور وصايا كيفية ولا عقوبات مختلفة ؛ إن السُنن التي يشرّعها الله هدفها سعادتنا، لا يمكن لله إسعادنا إذا رفضنا بإصرار أن نحب الآخرين، لا يمكن لله أن يشاركنا غبطته، إذ لا نقاسمه سماته ومحبته وغفرانه.
تكمن سعادة الله في محبة الآخرين حبًا بلا مقياس لا يُطلِعون عليها إلاّ الذين تبنوا هذا المقياس، لأن مقياس المحبة والرحمة والغفران هو أن نغفر ونرحم بلا مقياس، كما ورد في النص الآتي : " فدنا بطرس وقال ليسوع : " يا رب، كم مَرَّة يخطأ إليَّ وأَغفر له ؟ أسبع مرات ؟ فقال له يسوع : " لا أَقول لك : سبع مرات، بل سبعين مرّة سبع مرات " (متى 21:18-22).