عيد التجلي وعلاقته بعيد إرتفاع الصليب العدد (79)
12/11/2017
تحتفل الكنائس المسيحية كافة، الشرقية منها والغربية، وبضمنها كنيسة المشرق الكلدانية - الآثورية، بعيدين كبيرين : هما عيد تجلي الرب يسوع المسيح على جبل طابور أَمام تلاميذه، وذلك في اليوم 6 من شهر آب من كل سنة ؛ وبعيد إرتفاع صليب يسوع المسيح في اليوم 14 من شهر أَيلول من كل سنة. فما العلاقة التي تربطهما ببعض ؟
عيد التجلي وعلاقته بعيد إرتفاع الصليب

   تحتفل الكنائس المسيحية كافة، الشرقية منها والغربية، وبضمنها كنيسة المشرق الكلدانية - الآثورية، بعيدين كبيرين : هما عيد تجلي الرب يسوع المسيح على جبل طابور أَمام تلاميذه، وذلك في اليوم 6 من شهر  آب من كل سنة ؛ وبعيد إرتفاع صليب يسوع المسيح في اليوم 14 من شهر  أَيلول من كل سنة. فما العلاقة التي تربطهما ببعض ؟
   تُحيي الكنائس المسيحية في عيد التجلي حادثة تجلي يسوع المسيح على جبل طابور أَمام تلاميذه : بطرس ويوحنا ويعقوب : " ... تبدّل منظر وجهه، وصارت ثيابه بيضاء تتلألأ كالبرق، وأذا رجلان يكلّمانه، وهما موسى وإيليا، وقد تراءَيا في المجد، وأّخـذا يتكلمان على رحيله، الذي سيتمّ في أورشليــم... " (لوقا 28:9-36 ؛ متى 1:17-9 ؛ مرقس 2:9-9).
   وتحيي الكنائس المسيحية في عيد إرتفاع الصليب المقدس، ذكرى تكريس كنيسة القيامة، التي شيّدها الإمبراطور القديس قسطنطين في أورشليم، ودخول الجماهير إليها للمرة الأولى لمشاهدة هذا البناء الشامخ بتأريخ 14 أيلول سنة 323، حيث إكتحلت عيونهم للمرّة الأولى بمشاهدة الخشبة التي عُلّقَ عليها المخلص مرتفعة على مذبح معبد الجلجلة. فقرر الآباء الأساقفة إقامة إحتفال سنوي في 14 أيلول من كل سنة، لذكرى إرتفاع الصليب المقدس، ومن أورشليم إنتقل هذا العيد إلى الكنائس المسيحية كافة. تذكر السائحة إيجيريا في كتابها " يوميات رحلة "، الذي دّبجته عام 384 م وصفًا مفصلاً عن هذه الإحتفالات نقتطف من هذا الوصف العبارات الآتية : " ... لقد تمّ الترتيب على أن يكون اليوم الذي كُرست فيه هاتان الكنيستان المقدستان لأول مرة، هو اليوم الذي أُكتُشف فيه صليب الرب... حينما تتوافد من كل صوب جموع الرهبان والزهاد... والعلمانيون "
   ما سبب إجماع الكنائس المسيحية كافة للإحتفال بهذين العيدين بتأريخين متقاربين ؟ أي الإحتفال بعيد التجلي في 6 من شهر آب. وبعيد إرتفاع صليب يسوع المسيح في 14 من شهر أيلول من كل سنة ؟ وما هي العلاقة اللاهوتية التي تربط هذين العيدين المقدسين ؟
العناصر المشتركة التي تجمع هذين العيدين
   هناك أَسباب عديدة جعلت الكنائس المسيحية كافة تحتفل بعيد التجلي في اليوم السادس من شهر آب من كل سنة، وبعيد إرتفاع صليب يسوع المسيح في اليوم الرابع عشر من شهر أيلول من كل سنة ؛ يفصل أربعون يومًا الإحتفال بعيد التجلي عن عيد إرتفاع الصليب.
   إن السبب الأول الذي جعل الكنائس المسيحية كافة تجمع على الإحتفال بهذين العيدين الجليلين وبهذين الموعدين المحددين، هو تقليد عريق يرتقي إلى القرن الميلادي الرابع والخامس.
   أكّد هذا التقليد المسيحي العريق أن حادثة تجلّي يسوع المسيح على جبل طابور جرت أَربعين يومًا قبل حادثة صلب يسوع المسيح على جبل طابور . بعدما حددوا تأريخ الإحتفال بعيد إرتفاع الصليب المقدس في 14 من شهر أيلول، حددوا تأريخ الإحتفال بعيد التجلي أربعين يومًا قبل عيد الصليب، أي في اليوم 6 من شهر آب.
إلاّ أن هناك مفاهيم لاهوتية مشتركة بين هذين العيدين، نذكر المفاهيم الأربعة الأكثر أهمية في النقاط الآتية :
1- إن كلا العيدين يحيي ذكرى آلام المخلص وموته على الصليب.
2- إن كلا العيدين يذكر قيامة يسوع المسيح من بين الأموات.
3- يذكر كل واحد من هذين العيدين حالة المجد السماوي التي يتمتع بها يسوع المسيح بعد قيامته المجيدة.
4- يشير كل واحد من هذين العيدين إلى حياة المجد السماوي التي سيتمتع بها الأبرار في السماء في غروب حياتهم.
مفاهيم عيد التجلي اللاهوتية
   تمثل حادثة تجلي يسوع المسيح على جبل طابور إعلانًا مسبقًا عن آلام يسوع المسيح وموته على الصليب، وعن قيامته المجيدة. فلقد أَشار النبيّان موسى وإيليا إلى هذا بقولهما ليسوع أَثناء التجلي : " وأخذا يتكلمان على رحيله الذي سيتم في أورشليم " (لوقا 31:9). إن الترجمة اللفظية لكلمة " رحيله " هي " خروجه "، وهذا الخروج سوف يتحقق بموته وقيامته.
   كما أن يسوع نفسه أكّد هذه النبوءة عن موته وقيامته العتيدة عبر توصيته لتلاميذه في ختام التجلي قائلاً لهم : " وفيما هم نازلون من الجبل، أوصاهم (أي أوصى تلاميذه) ألاّ يخبروا أَحدًا بمـا رأوا، إلاّ متى قـام إبن الإنسان من بين الأمــوات، فحفظوا هذا الأمر... " (مرقس 19:9).
   إن قيامة يسوع ستنقله إلى المجد السماوي ؛ إن يسوع الممجد في حادثة التجلي وفي قيامته المجيدة هو الإنسان الجديد في شخصه المفعم بمجد العالم السماوي.
   إن العبارة اليونانية " تجلّى " تعني تحوّل، إستحالmétamorphosé ، أي أن هناك تغيرًا لا يقتصر على الوجه، بل كيان يسوع كله ؛ تراءى يسوع وكأنه إتخذ شكلاً جديدًا، علامة لكائن جديد، ينتمي إلى العالم السماوي.
   إن حالة يسوع الممجّد تمثل حالتنا النهائية في غروب حياتنا الأرضية، التي لن يحتويها أي تغيير ولا نهاية، سنعيش سعادة السماء، متلألئين مجدًا وسعادةً مع موسى وإيليا وبقية الأنبياء، ومع بطرس ويوحنا ويعقوب وسائر الرسل، ومع مريم العذراء وكل الأبرار والقديسين ؛ سوف نتلألأ مثل يسوع الممجد على جبل طابور، حيث سيكون الله كلاً للكل.


مفاهيم عيد إرتفاع الصليب اللاهوتية
   إننا نشير في إحتفالنا بعيد إرتفاع الصليب إلى الحقائق اللاهوتية التي عبر عنها عيد التجلي، نخص منها الحقائق الثلاث الآتية :
1- إن عيد الصليب يذكرنا بالآلام وبالموت الذي قاساه الرب يسوع من أجل خلاصنا، ويذكرنا بحب الله لنا، إنـه علامة لغفـران الله لنا، " هكذا أحبّ الله العالم بحيـث أرسل إبنـه الوحيد لخلاصهم ".
2- إن الإحتفال بعيد الصليب يرفع أنظارنا إلى يسوع القائم من بين الأموات، لذلك نقرأ في القداس الكلداني ليوم عيد الصليب النص الإنجيلي الذي يسرد شهادة التلاميذ لقيامة يسوع من بين الأموات، أي ظهوره لتلميذي عماوس، ومن ثم عودتهما إلى أورشليم ليبشرا بقيامة المسيح (لوقا 13:24-35).
   ولقد شـرح يسوع نفسه لتلميـذي عماوس العلاقة الكائنة بيـن موتـه وقيامتـه قائلاً : " أما كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام، ثم يدخل إلى مجده، فبدأ من موسى وجميع الأنبياء يفسّر لهما في الكتب ما يختص به " (لوقا 27:24).
   إن الإكرام الذي نقدمه للصليب هو إكرام مقدّم للمسيح الحي ذاته، كما تقـول الصلاة الطقسيـة الآتية : " كلما شاهدنا الصليب، فإننا نسجد للمسيح من خلاله ونقرّ بجلاله إذ به حصل الخلاص لنا أجمعين " (حوذرا، المجلد 3، ص 548).
3- إن عيد الصليب يجعلنا نتطلّع إلى عودة المسيح، لأن الصليب سيرافقه يوم يعود ليدين الأحياء والأموات ؛ إن الصليب علامة إبن الإنسان التي تحدث عنها الرب يسوع، مؤكدًا أنها ستظهر معه يوم تجلّيه في آخر الزمان، حين يقول :
" ... وتظلم الشمس، والقمر لا يرسل ضوءَه وتتساقط النجوم من السماء... وتظهر عندئذٍ في السماء علامة إبن الإنسان.... ".
   تقول إحدى الصلوات الطقسية : " سيحمل رئيس الملائكة جبرائيل راية الصليب عاليًا بمجد لا يوصف، يوم ظهور مخلصنا... ويعرضه أمام جميع البشر بشكل رائع وعجيب، حينئذٍ يتجلى إبن الملك العظيم، تسبقه علامته، يحيط بها الملائكة والبشر مهللين (قدوس، قدوس...) (حوذرا، المجلد الأول، ص 270).
تجدر الإشارة إلى الأيقونات التي رسمها الفنانون لتجلي يسوع على جبل طابور، تظهر عليها علامة الصليب " .