المحبّة طريقنا إلى الوحدة والسماء (77)
08/11/2017
جمعة الذهب
المحبّة طريقنا إلى الوحدة والسماء
الأب فريد بطرس(*)
جمعة الذهب
لو تكلّمت بلغات الناس والملائكة، ولم تكن لديّ المحبَّة، فما أنا إلا نحاس يطنّ أو صنجً يرنّ، ولو وهبت لي النبوَّة وكنت عالمًا بجميع الأسرار، عارفًا كل شيء، ولي الإيمان الكامل حتى أنقل به الجبال، ولم تكن لديّ المحبّة، فما أنا بشيء. ولو فرّقت جميع أموالي لإطعام المساكين وقدّمت جسدي ليحرق، ولم تكن لديّ المحبّة، فما يجديني ذلك نفعًا.
المحبّة حليمة مترفقة، المحبّة لا تعرف الحسد ولا العجب ولا الكبرياء، ولا تفعل السوء ولا تسعى إلى منفعتها، ولا تحنق ولا تبالي ما ينالها من السوء، ولا تفرح بالظلم بل تفرح بالحق. وهي تعذر كل شيء وتصدَّق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كلَّ شيء.
المحبّة لا تزول أبدًا، بيد أن النبوَّات تزول والألسنة تصمت والمعرفة تزول، لأن معرفتنا ناقصة ونبوَّاتنا ناقصة. فمتى جاء الكامل زال الناقص. لما كنت طفلاَّ، كنت أتكلَّم كالطَّفل وأدرك كالطِّفل وأفكر كالطِّفل. ولمَّا صرت رجلاً، تركت ما هو للطِّفل. فنحن اليوم نرى في مرآةٍ رؤيةً ملتبسة، وأما يومذاك فتكون رؤيتنا وجهًا لوجه. اليوم أعرف معرفةً ناقصة، وأمَّا يومذاك فسأعرف مثلما أنا معروف. فالإيمان والرجاء والمحبَّة هي الثَّلاثة الباقية، وأعظمها المحبَّة
                                                                               (1 كو 1:13-13)

أولاً- ماذا يقول هذا النص ؟
يسبق هذا النشيد الرائع كلامٌ عن تنوّع مواهب الروح المفيدة للكنيسة، التي لا قيمة لها إن لم تنعشها المحبّة، حياة الله (1 يو 8:4). فالمحبّة هي في قلب الإنجيل (مر 28:12-34)، وموجز مشروع الله في العالم. ويقابل هذا النشيد الجزء الثاني من صـورة الجسد، التي تُظهر تضامـن الأعضاء بالوحـدة. تتيـح هذه المحبّة لأعضاء الكنيسة أن يعملوا معًا من أجل خير الجميع.
يبدأ بولس نشيده بإثارة مشكلة إستخدام الألسنة لأنها من مشاكل كنيسة كورنتوس، وليبرز خطورة إستخدامها حبًا للظهور دون المحبّة. وكما أن أصوات الصنـوج والنحـاس التي تطـن فـي هيـاكل الأوثـان لا معنى لها، فكذلك لا نفع للمواهب دون المحبّة، فالسعي للموهبة والمجد الذاتي هو إرتداد إلى الوثنية. ويتابع بولس نشيده فيما يخص سمو المحبّة وتفوقها على ما سواها، فيبين أن النبوءات والمعارف وطرق الإيمان الخالية من المحبّة، يكون دافعها الكبرياء والإنتفاخ، فتصبح من أعمال الجسد وخداع الشيطان، فلا ترضي الله، بل تؤدي إلى الهلاك (متى 22:7-23) والمحبّة تسمو على كل الخدمات والتبرعات، فلا فائدة من تقديم المال والمعونات، وحتى تقديم الذات، إن كانت بوقًا للشهرة والمجد الشخصي. وينتقل بولس الرسول إلى القسم الثاني من نشيده (الآيات 4-7)، ليبين أعمال المحبّة في الأوجه الآتية :
المحبّة والخدمة الحليمة : تتميـز المحبّة بالتـأني والصبر فكرًا وقولاً، عملاً وسلوكًا وتعاملاً، فلا تسيء لمن يسيء إليها، بل تقابله بالصلاح والخير، والعطاء المجاني. المحبّة والتخلي عن الأنانيـة والمنفعة الشخصية : تفرح المحبّة لسعادة الآخر وتقدمه، فلا تحسده ولا تحقد عليه، ولا تجرح مشاعره بالكلام القبيح أو الفعل الرديء والسلوك غير اللبق، فنعرف طريق اللطف والوداعة والثقة بالآخر حتى لو سقط وكان خاطئًا، لأن المحبّة لا تعرف تباهيًا وإنتفاخًا وكبرياء. المحبّة تنظر بإيجابية إلى الآخر، ومستعدة لتحمل التجارب والضيقات : تتبين نظرتها الإيجابية بفرحها بتوبة الخاطئ، وبتحمل نقائص الآخرين وسوء تصرفاتهم، وتصدّق النوايـا الطيبـة، فلا تشكك بـأحد، ومن جهة أخـرى لا تعـرف يأسًا ولا إحباطًا، بل تؤمـن بعمل الله وقدرته على التغير، كما تستطيع أن تتحمل كل ضيق واضطهاد.
يصـل مـار بـولس في نشيـده إلى القسـم الثـالث والأخيـر، ليشير إلى المحبّة كموهبة فائقة باقية تفوق كل الهبات، ونعيشها بكمالها في السماء، فلا تسقط أبدًا، بل هي وحدها الثابتـة ويـأتي ثباتها من ثبات الله نفسه، فـالله محبّة ولا يفشـل. وأمـا النبـوءات والألسنـة والمعرفة، فمهما بلغت من شأن، فليست إلا مشاعل تنير ظلام الليل، وحين يظهر نور الشمس الأبدية فلا حاجة لها. فالمعرفـة الحقيقية والكاملة، لن تُدرك إلا في الأبدية، حيث اللقاء بالنور الكامل، ولذلك ما نعرفه اليوم لا يقارن بما سندركه في الأبدية، كما لا تقارن معرفة الطفل مع إدراكه ونضوجه عندما يصبـح رجلاً. ولذلك فمعرفتنـا في هـذه الحيـاة، هي كالصـورة التي كانت تقدمها المرآة أيام مار بولس، صورةٌ مشوهة للوجه بعيدة عن الحقيقة، وهذا معناه، أن ما نعرفه اليوم، ليس إلا معرفة بسيطة مشوشة لأمجاد وأفراح السماء، التي سنعاينها في السماء وجهًا لوجه. وهناك، أي في الأبدية، ينتهي دور الإيمان، بعد أن نرى الله وما أعده لنا. كما سينتهي دور الرجاء، بعد أن ندخل السماء، ولا يكون دوره إلا التطلع نحو أمجاد وأفراح وخيرات سماوية متجددة. أما المحبّة فهـي الأعظم وهـي الباقيـة، لأن هنـاك يتحقـق الإتحاد الكامـل بيـن قلب الإنسان وقلب الله.
ثانيًا- ماذا يقول النص لنا ولعالمنا المعاصر ولكنائسنا ؟
كلنا قد نسعى نحو تفوّق ما، نظنه يعطينا المعنى والسعادة، كما سعى أهل كورنتس المختلفين والمتخاصمين أحيانًا إجتماعيًا وفكريًا ثم في الموهبة، فنركض وراء المعرفة أو السلطة أو المال أو النجاح أو المتعة وقد نتوهم بتحقيق شيء، ولكننا لا نلبث أن نختبر موتًا بطيئًا لفشلنا في تحقيق المبتغى، وهذا كلّه يعود إلى تغييب القوة التي تعطي الحياة من الداخل، وهي قوة المحبّة الإلهية، كما إختبرت الأم تريزا وغيرها من الشهود المسيحيين.
لقد خُلق الإنسان لكي يعيش محبّة متبادلة. فالمحبّة هي أساس وغاية الوجود، وبدونها ندخل في الفراغ والعدم. يقدم مار بولس نشيدًا، يظهر فيه تفوّق المحبّة على كل المواهب والطاقات والخدمات والأعمال مهما سمت وتعاظمت، فلا قيمة للإنسان إلا بالمحبّة ولا قيمة لكل مواهبه ولكل ما يفعل، إلا عندما تكون تمجيدًا لله وخدمةً للآخرين، وليس تمجيدًا للذات، وإرضاءً للنزوات والغرائز والكبرياء، فيأتي الشيطان ليملك على قلبنا ويضلل عقلنا. يعيش عالمنا اليوم، لا سيما في الغرب، حالةً من الفردانية المؤدية إلى الأنانية، والتشويه لمعنى الحب واختزاله في الشهوة والمتعة، وتحديد علاقة الإنسان بالآخرين بواسطة القوانين والمصالح المتبادلة وانغلاق الإنسان على ذاته في غرفة تملأها التكنولوجيا ووسائـل التسلية والتواصل الإفتراضي الوهمي. كل ذلك وغيـره، جعله يعيـش حالةً تفتقـر إلى المحبّة في معناها البولسي، التي تعني قوة داخلية، تولّد فينا القدرة على الخروج من الأنا والكبرياء واللقاء بالآخر من خلال الخدمة والنظرة الإيجابية، وتحمّل الصعوبـات والتجارب والضيقات. وفي شرقنا غـدت الإنتماءات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية والحزبية سببًا لابتعاد الإنسان عن الآخر، لا بل أضحت نارًا مستعرة لتأجيج مشاعر وغرائز البغض والكراهية والعنف والقتل.
وهكذا فإذا كان عالمنا، يعرف إضاءات مميزة لمحبّة الله، من خلال أشخاصٍ وجماعات، تعـرف أن تعطي شهـادة حيـة على إستخـدام المواهـب والطاقات والإمكانيات لخدمة الآخرين، كالمهمشين والمحتاجين والمتألمين، فإننا لا نستطيع أن ننكر إرتفاع صوت حضارة الموت على حضارة الحب والحياة.
إذا كان هذا عالمنا، فكيف هو حال كنائسنا ؟
إن الكنيسة ببعدها البشري، تختزن تنوعًا وتعددًا في الطاقات والمواهب، واختلافًا في التوجهات والرؤى، وتأريخًا مميزًا في تقبل المسيح والتعبير عنه عقائديًا وليتورجيًا وروحيًا. إذا كان هذا الواقع الكنسي طبيعيًا ومصدرًا للغنى، ولكن الخلافات الكنسية المقسمِّة مرتبطة بغياب أو أقله بضعف المحبّة، التي يشير إليها مار بولس كأساس لبناء الوحدة والشركة.
المحبّة التي يكلمنا عليها مار بولس هي الأبدية بحد ذاتها، لأن الله محبّة، فمن يختبرها وجوديًا، يختبر حياة السماء التي نتوق إليها إستباقًا، وفيها سنرى حضور الله وجهًا لوجه، لذلك لا شيء يعلو على المحبّة، بل لا شيء سيبقى إلا المحبّة، التي تجعلنا في إتحاد كياني مع إله الحياة والحب الأبدي. كم هو جميل، أن نعرف أن الأبدية، التي نسعى لعيشها منذ الآن على الأرض، لا تتحقق إلا في محبّة متبادلة مع إله، أرسل إبنه الوحيد ليفتدينا بصليبه المقدس، صليب المحبّة الباذلة للذات والمنتصرة على الموت والخطيئة، وهذا ما عاشه القديس بولس، الذي لم يفتخر إلا بصليب الربّ يسوع.
ثالثًا- صلاة من وحي النص :
أيها الإله المُحب، يا من أرسلت إبنك الوحيد إلى عالمنا الإنساني، لكي يقودنا إلى محبّة داخلية عميقة، هي المحبّة التي تـأتي منك وتقودنـا إليك. وكمـا عـاش القديـس بـولس هـذه المحبة، لأنه التقى بمحبـة القائـم مـن المـوت، فتحوّل إلى رسـول لهـذه المحبّة، بروحانيتـه وكتاباته وشهـادتـه. أعطنـا روحـك القـدوس لكـي يقودنـا إلى هـذه المحبّة، التي تسمـو على كل المواهب، فتكون سبيلنا إلى الإنتصـار على ظلمـة الشهـوة والإمتلاك والأنانية، فلا يكون لقاؤنا مع الآخر إلا إنطلاقًا من هذه المحبّة، فنستطيع أن نتحد مع كل إنسان لا سيما مـع أبنـاء الكنيسة. كما نطلب منـك يـا إلهنا، أن تكون هـذه المحبّة حاضرةً كقوةٍ حية، تحرك قوانا وحياتنا كلَّها للعبور من حياتنا الأرضية وارتباطاتها الضيقة وأفراحها الزائلة، نحو حياتك السماوية الإلهية، فتكون رحلتنا الإيمانية وصولاً إلى ما تقنا إليه، فيتحقق رجاؤنا باختبار فرح أبديتك، الذي هو محبة كاملة، نعيشها معك ولأجل تمجيدك وتسبيحك بلا إنقطاع إلى الأبد.