الملكوت عطية الله المجانية للجميع (75)
08/11/2017
إنجيل الأحد الأول من
الملكوت عطية الله المجانية للجميع

الاب زيد عادل حبابة

إنجيل الأحد الأول من
" قال الرب : فإنه يشبه ملكوت السماوات رجلاً رب بيتٍ خرج بالغداة يستأجر فعلةً لكرمه. فشارط الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى الكرم. ثم خرج في الساعة الثالثة فرأى آخرين واقفين في السوق بطالين. فقال لهم : أمضوا أنتم أيضًا إلى الكرم وما يحق لكم أعطيكم. فمضوا. وخرج أيضًا في الساعة السادسة وفي التاسعة فصنع كذلك. ثم خرج نحو الساعة الحادية عشرة فوجد آخرين واقفين بطالين فقال لهم : ما بالكم واقفين النهار كله بطالين ؟ قالوا له : إنه لم يستأجرنا أحدٌ. قال لهم : أمضوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم. فلما كان المساء قال رب الكرم لوكيله : إدع الفعلة وأعطهم أجرتهم وابتدئ من الآخرين إلى الأولين. فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة فأخذوا دينارًا دينارًا. فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا هم أيضًا دينارًا دينارًا. ولما أخذوا تذمروا على رب البيت. قائلين : إن هؤلاء الآخرين عملوا ساعةً واحدة فجعلتهم مساوين لنا نحن الذين حملنا ثقل النهار وحَرّه. فأجاب هو وقال لواحد منهم : يا صاح ما ظلمتك ألم تكن على دينار شارطتني. خُذْ مالك وامضِ فإني أريد أن أعطي هـذا الأخير مثلك. أليـس لي سلطانٌ أن أفعل بمـالي ما أريد أم عينك شريرةٌ لأني أنا صالح. فكذلك يكون الآخرون أولين والأولون آخرين لأن المدعوين كثيرون والمنتخبين قليلون ".
                                                                     (متى 1:20-16)

أولاً : ماذا يقول هذا النص ؟
ينفرد متى بذكر هذا المثل الذي يفتتح به الفصل (20)، ويوجهه بنوع خاص إلى جماعته المسيحية المهتدية من اليهودية. يقع المثل بين حوار يسوع مع الشاب الغني، وجوابه لبطرس الذي كان قد سأله عن ماذا سيكون نصيب من يتبع يسوع (16:19-30)، وبين الإعلان الثالث ليسوع عن موته وقيامته (17:20-19).
إن متى بحصره مثل الفعلة في الكرم بين الآيـة : " كَثيـرٌ مِنَ الأَوَّلينَ يصيـرونَ آخِرين، وَمِنَ الآخِرينَ أَوَّلين " (30:19)، التي تمثل خاتمة الحوار مع الشاب الغني، وبين الآية : " فهَكذا يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين " (16:20) ؛ التي يختم بها مثل الفعلة في الكرم، يجعلنا نفهم أن غاية يسوع من هذا المثل هي أن يتواصل مع سامعيه في توضيح قصده كيف يكون الأولون آخِرين، والآخرون أولين في ملكوت السماوات ؛ فليس المقصود أن الأدوار ستنقلب في ملكوت الله، بل المقصود هو التساوي بين الأولين والآخرين، بين اليهود والوثنيين، بين الفريسيين والخطأة ؛ وأن ملكوت السماوات ليس حقًا مكتسبًا يحصل عليه الإنسان نتيجة عمله واستحقاقه، إنما هو عطية مجانية ودائمة يمنحها الله للجميع.
إن النقطة الرئيسية التي يركّز عليها المثل هي طيبة الله غير المحدودة التي تقبل الآخرين في الملكوت، أي الوثنيين والخطأة التائبين، ويقدم لهم الأجرة نفسها المتفق عليها مع الأولين الذين يمثلون جماعـة اليهـود والفريسييـن الذيـن يتصورون أنه لكونهم عرفوا الله أولاً وحفظوا شريعته، فإنهم سيحصلون على خلاصه وملكوته لأجل أعمالهم الصالحة، ممـا يجعلهم يحكمـون على الآخرين. فيقول لهم يسوع من خلال هذا المثل وبكل وضوح : من الممكن أيضًا أن يكون صلاح في الآخرين، أولئك الذين ليسوا معهم منذ البداية ؛ وأن عطية الله متساوية للجميع، فالله لا يفضّل أشخاصًا على آخرين، فلقد لبى دعوته كل الفعلة ولو في أوقات مختلفة، ولجميعهم أظهر محبته وحنانه.
ليس من قبيل المصادفة أننا نجد بعد هذا المثل إعلان يسوع الثالث عن الآلام (17:20-19)، فمن لا يقبل كشف محبة الآب، سيرفض يسوع بالتأكيد. يدعو يسوع الجميع للعمل في كرمه، لكن الصغار فقط يقدرون أن يسمعوا نداءه ويفرحوا بدعوته، لأنهم لا يقيسون طيبته بمقاييس العدالة الإنسانية، إنما يقبلون عطيته المجانية بقلب بسيط. فلأجل الدخول في علاقة مع الله، ينبغي الإهتداء وتغيير العقلية.
ثانيًا : تأوين النص
قد يتبادر إلى ذهننا، للوهلة الأولى، عند قراءتنا هذا المثل، أن صاحب الكرم لم يكن عادلاً عندما ساوى الفعلة كلهم في الأجرة، وأكثر من هذا أنه بدأ بتوزيعها على الآخِرين قبل الأولين ! وقد نتساءل لماذا لم يبدأ بالدفع للأولين ثم للآخرين ؟ حينها كان سيتجنّب تذمر الأولين عليه. بالحقيقة، في هذا المثل، كما في الأمثال الأخرى، يتوخى يسوع أن يوصل إلى سامعيه وإلينا اليوم، أمرًا مهمًا وهو أن يقلب مفاهيمنا وأفكارنا الضيقة عن الله وعدالته، فمنطق الله يختلف عن منطقنا البشري ؛ فيرمي يسوع إلى تحريرنا من إنغلاقنا وتوجيهنا نحو الآخرين مهما كانت أوضاعهم وظروفهم.
نشبه نحن أيضًا، في أغلب الأحيان، عمال الساعة الأولى عندما نطالب بحقوق أكثر من الآخرين، كوننا لبّينا دعوة ربنا منذ بداية النهار، ونعاتبه إذا ما عامل الآخرين مثلنا، ونطالبه بتطبيق العدالة حسب مقاييسنا ؛ لكن الرب يطبّق عدالته، عدالة المحبة والرحمة التي يمنحها للجميع بالتساوي. فإن كنّا من عمال الساعة الأولى، فهذه نعمة منه وعلينا أن نشكره عليها دائمًا، وهذا لا يعطينا الحق بأن نفرض شيئًا على إلهنا ؛ فالخلاص ليس عملنا نحن، بل عمله هو، ويمنحه للجميع، للأولين الذين عملوا طوال النهار، وللآخرين الذين عملوا نصف النهار أو ساعة واحدة، لأنه رأى إستجابة طيّبة لدعوته من كل واحد منهم حسب إمكاناته.
ربنا يريد أن يخلصنا من مشكلة الإستحقاق في مسألة الإيمان والخدمة، هذه المشكلة التي نتعرض لها نحن المسيحيين عندما نعتبر أنفسنا أفضل من الآخرين، كوننا حملنا ثقل النهار وحرّه منذ صغرنا، ولهذا يجب أن تكون مكافأتنا أفضل، دون أن نتفهم مشاكل الآخرين من ألم البطالة، وفقدان معنى الحياة، والقلق من المستقبل، وأسباب أخرى كثيرة كانت السبب وراء تأخرهم في تلبية الدعوة ! وهذا ما قد يحدث في الكنيسة أيضًا (إكليروس وعلمانيين)، وفي مختلف مجالاتها الخدمية والتعليمية والإدارية، حينما يفكّر البعض ويقولون : نحن عملنا أكثر، لهذا يجب أن نأخذ أكثر ونستحق المنصب الأكبر ؛ الآخرون عملوا أقل لهذا يجب أن يأخذوا أقل والمنصب الأصغر.
هنا نفهم لماذا أعطى رب الكرم الأجرة نفسها لكل العمال مبتدئًا من الآخرين، لأنه يريد أن يحذّرنا من الحسد، ويعلّمنا أن ننفتح على رحمة الله الذي يحب الجميع دون تمييز وأفضلية.
علينا إذًا أن نكون سعداء إذ لا يزال هناك أشخاص بمختلف الأعمار والأوضاع والأوقات يستقبلون المسيح في حياتهم، ويلبّون دعوته للعمل في ملكوته، ويرغبون في خدمة الكنيسة، فالله له طرق عديدة للوصول إلى قلب الإنسان، لأنه يريد لأبنائه جميعًا أن يعملوا الخير ويَصِلوا إلى الخلاص.
ثالثًا : صلاة من وحي النص
أيها الآب، ها نحن أمامك، لقد دعوتنا كلنا للعمل في كرمك، إجعلنا نقبل بفرح المكان الذي تريد أن نخدم فيه. نشكرك إن كنّا من المدعوين في الساعة الأولى من النهار، ونشكرك أيضًا إن كنا من المدعوين في الساعة الأخيرة منه.
يا رب، إجعلنا أن نفهم أنك تحب الجميع وتقبلهم كلهم في ملكوتك حتى الأخِيرين والخطأة، لكي تُشبعهم بفرحك ؛ فسامحنا إذا ما تذمرنا عليك بسبب أنانيتنا وتفكيرنا الضيق، إغفر لنا إن حسدنا إخوتنا ولم نفرح بخيرهم، أعطنا الشجاعة والجرأة لكي نبحث عن إخوتنـا فـي كل الأماكن وندعـوهم للعمل في كرمك، كما دعوتنا أنت، وهكذا نفرح عندما نكون جميعنا معك وتكافئنا بحبك الأبدي، آمين.