الانتصار على التجارب (68)
08/11/2017
إنجيل الأحد الأول من الصوم
الانتصار على التجارب
الاب زيد عادل حبابة
إنجيل الأحد الأول من الصوم
” فلما اعتمذ يسوع صعد للوقت من الماء فانفتحت له السماوات ورأى روح الله نازلاً مثل حمامة وجائيا عليه، وإذا صوت من السماء قائلاً : ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت “. حينئذ أُخْرِجَ يسوع من الروح القدس إلى البرية ليجرَّب من إبليس. فصام أربعين يومًا وأربعين ليلةً وأخيرًا جـاع. فدنا إليـه المجرّب قائلاً له : ” إن كنت إبـن الله فقل أنْ تصيرَ هذه الحجارة خبزًا “. أمّا هو فأجاب قائلاً : ” مكتوب ليس بالخبز وحدَهُ يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمةٍ تخرج من فم الله “. حينئذ ذهب به إبليس إلى مدينة القدس وأقامه على جناح الهيكل وقال له : ” إن كنتَ ابن الله فألْقِ بنفسك إلى أسفل لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فتحملك على أيديها لئلا تصدِمَ بحجر رجْلُك “. فقال له يسوع : ” مكتوب أيضًا لا تجرب الربّ إلهك “. ثم ذهب به إبليس إلى جبل عالٍ جدًا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له : ” أعطيك هذه كلها إنْ خررتَ لي ساجدًا “ حينئذٍ قال له يسوع : ” اذهب يا شيطان فإنه مكتوب للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحدَهُ تعبُد “. حينئذ تركه إبليس وإذا ملائكة جاءت فكانت تخدمه “.
التحليـل الكتابي
يكتب مار متى إنجيله إلى مسيحيين من أصل يهودي، واليهود يؤمنون بأن للكتب المقدسة أصلاً إلهيًا مباشرًا، وكان التعلق بها وقراءتها المتواصلة واستيعابها العميق يؤثر تأثيرًا عميقًا في حياة الجماعات اليهودية، حتى إن يسوع وتلاميذه نظروا إليها النظرة نفسهـا ؛ لهـذا السبب نلاحظ في إنجيـل متى استشهـادات كثيـرة بالكتـب والأنبيـاء، مثلاً : ” مكتـوب... “ (متى 4/4)، ” ليتـم ما قيل من الرب بالنبي “ (متى 4/21). هذا يعني أن الشريعة حية في تلك الجماعة التي يوجه متى إنجيله إليها ؛ لكن يسوع يعطيها صبغة جديدة ويبلغ بها إلى كمالها.
إن النصوص المستشهد بها لا تطمح إلى إثبات الوقائع أو إلى شرحها أولاً، بل إلى إضفاء الطابع المقدس الإلهي عليها، فإن التدبير الإلهي يتم في شخص يسوع وأعماله، وهكذا يواصل الإنجيلي عمل يسوع فيدخل رسالة البشارة في تاريخ الخلاص. إن النص الذي نحن بصدده يبين الأمانة التي عاشها يسوع مع أبيه السماوي من خلال مواجهته التجارب في البرية مدة 40 يومًا، وتذكِّر بتجارب إسرائيل الكبرى في البرية مدة 40 عامًا. يُمتَحن يسوع على ما في قلبه من استعداد وأمانة تجاه رسالته المسيحية كإبن لله (متى 17/3) ؛ لكن مسيرة الشعب التي فشلت في الامتحان في ما مضى، نجحت اليوم في شخص يسوع المسيح. لنرى المشاهد الثلاثة للتجارب : التجربة الأولى ينتصر يسوع على الشراهة واللذة (متى 3/4)، التجربة التي سقط فيها إسرائيل عندما جاع في البرية وبدأ يتذمر على إلهه، فيجيب من التثنية (3/8) : ” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله “ ؛ في التجربـة الثانيـة ينتصر على الكبرياء والشهرة (متى 6/4) مجددًا خبرة إسرائيل الذي جرّب إلهه أحيانًا كثيرة عندما طلب منه أن يصنع معجزة ليثبت حضوره بين الشعب، فيجيب من التثنية (16/6) : ” لا تجرب الرب إلهك “ ؛ وفي التجربة الثالثة ينتصر يسوع على تجربة السلطة (متى 10/4)، التي سقط بها إسرائيل عندما استبدل إلهه بآلهة أخرى فيجيب يسوع من التثنية (13/6) : ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد “.
نلاحظ إن هناك توازيًا بين شعب إسرائيل في البرية وبين يسوع في البرية، فيسوع هو إسرائيل الجديد، هذا ما أراد أن يقوله مار متى لجماعته، فهو يقدم يسوع كموسى الجديد الذي يدعو الشعب الإسرائيلي لحفظ وصايا إلههم مذكرًا إياهم بكل ما حدث خلال 40 سنة في البرية.
الإطار الليتورجي
* علاقة هذا النص مع صلاة الفرض :
إن لصوم يسوع في البرية وتجربته من قبل المجرِّب وانتصاره عليه، دورًا مهمًا في تدبير الخلاص ؛ حيث دمج يسوع في شخصه كل شعب الله وحمل رسالته وأخذ دعوته على عاتقه لأجل البشرية، فانتصر على التجارب التي سقط فيها الشعب، وبذلك طهر شعبه من ضلاله، هذا ما تعكسه لنا إحدى تراتيل صلاة الصباح للأحد الأول من صلاة الموتوا (موةبا) :
” الخليقة كلها ترتـل التسبحـة والشكـر للـذي بصومه المجيد أنقذها من الضـلال وخـرج إلى البريـة للقتـال مـع الشيطان وانتصـر، وطهّر جنس المائتين، وهو الآن في العـلاء يتضـرع لأجلنا من الآب الذي أرسله إلينا “ (الحوذرا، ج2، ص57).
* علاقة هذه القراءة مع القراءات الطقسية الأخرى :
القراءات الكتابيـة الطقسيـة المرافقـة لنصنا هـي : قـراءة من نبوءة إشعيـا (1/58-12+14)، وقـراءة من رسـالـة بـولـس الرسـول إلى أفسس (17/4-4/5+15/5-21) ؛ فالقراءة الأولى من إشعيا، تقدم لنا مقارنة بين الصوم ذي الطابع الشكلي الذي يمارسه الشعب وبين المعنى الحقيقي للصوم، الذي هو : الشعور بالآخر والاهتمام به واقتسام الطعام معه ؛ أما في الرسالة، فإن بولس يدعو المؤمنين إلى التغيير الجذري في السلوك وذلك بالتخلي عن الإنسان القديم، ويحرضهم على عدم الوقوع في تجارب وفخاخ حياة الوثنيين ؛ ويقدم إرشادًا للمؤمنين بلبس الإنسان الجديد، متخذين المسيح نموذجًا حيًا لهم.
لنرى العلاقة بين قراءات هذا الأحد : إن الصوم الذي يتكلم عليه إشعيا وصوم يسوع وتجاربه في البرية الذي يتكلم عليه نص الإنجيل يمثلان برنامجًا للحياة ؛ هذا البرنامج يجب أن ينعكس على سلوك المؤمن بتغيير أسلوب حياته ونزعه الإنسان القديم ولبسه الجديد وهذا ما جاء في رسالة مار بولس التي تأتي بمثابة تطبيق عملي وحياتي للصائم ؛ فارغ هو الصوم إن لم يغيِّر الإنسان. إن القراءات الكتابية لهذا الأحد تضعنا منذ البداية على ما ستدور حوله أسابيع هذا الزمن كي نتخذ موقفًا ومبدأ حياة يساعدنا في المسير نحو طريق الجلجلة على مثال يسوع.
التأويـن
يسوع يعلمنا : يجب على الانسان أن يكون له مبدءُ في الحياة، كما كان ليسوع، فقد اختار يسوع منذ بدء رسالته أن يكون أمينًا لله، ومبدؤه هو أن يعمل بمشيئته (الله) التي تتلخص بمحبة الله والقريب، لقد رفض أن يكون مبدؤه اللذة والكبرياء والسلطة. فقد قرر يسوع بحرية أمام هذه التجارب المعروضة عليه فثبت ظافرًا.
إن دور يسوع اليوم ورسالته متجسدان في كنيسته التي هي جسده وعليها أن تحمل رسالته إلى العالم أجمع، وهذا دور أبنائها حيث إن كل مُعمَّذ مدعو إلى حمل كلمة الله إلى العالم كما كان إسرائيل مدعوًا. فالسير في الحياة هو دائمًا السير في البرية حيث يلاقي المؤمن مصاعب عديدة وتجارب متنوعة تحاول أن تستعبده ؛ لهذا يتوجب عليه أن يتخذ موقفًا منها، هذا الموقف يجب أن يكون مستندًا إلى قناعات إيمانية راسخة وإلى ثقة عميقة بالله وتسليم كلي لمشيئته ؛ لكي يقدر أن يتجاوزها ويواصل مسيرته نحو أرض الميعاد، أرض الحرية. إن زمن الصوم الكبير هو فرصة ثمينة لنا كي نختلي نحن أيضًا في برية قلبنا حيث التساؤلات والصراعات بين الخير والشر، بين صوت الله وصوت العالم ؛ انه زمـن مكثف به نعيـد النظـر بإيماننا وبمواقفـنا واستعدادنا ؛ انه زمن تحضير وتهيئة ؛ تساعدنا في هذا كلمة الله الغنية التي سترافقنا خلال زمن الصوم حتى نستطيع أن نشارك بفصح يسوع المسيح أي موته وقيامته، حيث نموت عن الشر والعبودية ونقوم من جديد لنحيا كأبناء أحرار لله.