” الحرف يقتل ولكن الروح يمنح الحياة “ (66)
08/11/2017
الأحد الثاني من الصيف
” الحرف يقتل ولكن الروح يمنح الحياة “
الاب باسل سليم يلدو
الأحد الثاني من الصيف
(القراءة الثالثة)
” وَهَذِهِ هِيَ ثِقَتُنَا الْعَظِيمَةُ مِنْ جِهَةِ اللهِ بِالْمَسِيحِ : لَيْسَ أَنَّنَا أَصْحَابُ كَفَاءَةٍ ذَاتِيَّةٍ لِنَدَّعِيَ شَيْئًا لأَنْفُسِنَا، بَلْ إِنَّ كَفَاءَتَنَا مِنَ اللهِ، الَّذِي جَعَلَنَا أَصْحَابَ كَفَاءَةٍ لِنَكُونَ خُدَّامًا لِعَهْدٍ جَدِيدٍ قَائِمٍ لاَ عَلَى الْحَرْفِ بَلْ عَلَى الرُّوحِ. فَالْحَرْفُ يُؤَدِّي إِلَى الْمَوْتِ ؛ أَمَّا الرُّوحُ فَيُعْطِي الْحَيَاةَ.
وَلكِنْ، مَا دَامَتْ خِدْمَةُ الْمَوْتِ الَّتِي نُقِشَتْ حُرُوفُهَا فِي لَوْحِ حَجَرٍ، قَدِ ابْتَدَأَتْ بِمَجْدٍ، حَتَّى إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُثَبِّتُوا أَنْظَارَهُمْ عَلَى وَجْهِ مُوسَى، بِسَبَبِ مَجْدِ وَجْهِهِ، ذَلِكَ الْمَجْدِ الزَّائِلِ، أَفَلَيْسَ أَحْرَى أَنْ تَكُونَ خِدْمَةُ الرُّوحِ رَاسِخَةً فِي الْمَجْدِ ؟ فَبِمَا أَنَّ خِدْمَةَ الدَّيْنُونَةِ كَانَتْ مَجْدًا، فَأَحْرَى كَثِيرًا أَنْ تَفُوقَهَا فِي الْمَجْدِ خِدْمَةُ الْبِرِّ. حَتَّى إِنَّ مَا قَدْ مُجِّدَ سَابِقًا لاَ يَكُونُ قَدْ مُجِّدَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَجْدِ الْفَائِقِ. فَإِذَا كَانَ الزَّائِلُ قَدْ صَاحَبَهُ الْمَجْدُ، فَأَحْرَى كَثِيرًا أَنْ يُصَاحِبَ الْمَجْدُ مَا هُوَ بَاقٍ دَائِمًا.
فَإِذْ لَنَا هَذَا الرَّجَاءُ الْوَطِيدُ، نَعْمَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْجُرْأَةِ. وَلَسْنَا كَمُوسَى الَّذِي وَضَعَ حِجَابًا عَلَى وَجْهِهِ لِكَيْ لاَ يُثَبِّتَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْظَارَهُمْ عَلَى نِهَايَةِ الزَّائِلِ. وَلَكِنَّ أَذْهَانَهُمْ قَدْ أُعْمِيَتْ، لأَنَّ ذَلِكَ الْحِجَابَ مَا زَالَ مُسْدَلاً حَتَّى الْيَوْمِ عِنْدَمَا يُقْرَأُ الْعَهْدُ الْقَدِيمُ، وَهُوَ لاَ يُزَالُ إِلاَّ فِي الْمَسِيحِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الْحِجَابَ مَا زَالَ حَتَّى الْيَوْمِ مَوْضُوعًا عَلَى قُلُوبِهِمْ عِنْدَمَا يُقْرَأُ كِتَابُ مُوسَى. وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَرْجِعُ قُلُوبُهُمْ إِلَى الرَّبِّ، يُنْزَعُ الْحِجَابُ.
فَإِنَّ الرَّبَّ هُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ يَكُونُ رُوحُ الرَّبِّ، فَهُنَاكَ الْحُرِّيَّةُ. وَنَحْنُ جَمِيعًا فِيمَا نَنْظُرُ إِلَى مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجـُوهٍ كَالْمِرْآةِ لاَ حِجَابَ عَلَيْهَا، نَتَجَلَّى مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ لِنُشَابِهَ الصُّورَةَ الْوَاحِدَةَ عَيْنَهَا، وَذَلِكَ بِفِعْلِ الرَّبِّ الرُّوحِ.
(2 كور 3 / 4-18)
1- الإطار التاريخي الذي ورد فيه نص (2 كور 3 / 4-18)
يرجح تاريخ كتابة هذه الرسالة ما بين عام 55-57 ميلادية من مدينة مقدونية، وهي موجهة إلى الكنيسة في كورنثوس والمؤمنين في كل مكان.
لقد كانت الكنيسة في كورنثوس كنيسة ضعيفة محاطة بالوثنية والفجور، وكان أعضاؤها يصارعون من أجل إيمانهم المسيحي وأسلوب حياتهم، وقد حاول الرسول بولس بزياراته الشخصية ورسائله أن يجيب عن كل أسئلتهم ويعالج كل صراعاتهم، ويحل مشاكلهم. وقد أرسل الرسالة الأولى إلى الكنيسة في كورنثوس لمعالجة بعض القضايا الأخلاقية في الكنيسة.
بعد ذلك كتب الرسول بولس هذه الرسالة الثانية، تحدث فيها عن نفسه وقدم مؤهلاته كرسول، ونحس بعدم رغبة بولس بذلك، ولكن كان يعلم بلزوم ذلك لافحام الأقلية الذين ما زالوا يقاومونه، وان كان مدركًا ان غالبية المؤمنين في كورنثوس قد قبلوا أقواله السابقة وبدأوا في النضج في إيمانهم، وكان ذلك موضوع شكره. كما تشمل الرسالة تأكيد التزامهم بالمسيح.
2- التحليل الكتابي - البيـبلي (Esegetic)
يؤكد الرسول بولس بهذه الرسالة خدمته والدفاع عن مركزه كرسول وتفنيد ما كان ينادي به المعلمون الكذبة في كورنثوس الذين كانوا يتحدّون الرسول بولس في خدمته وسلطانه كرسول، ولكن بولس يؤكد لهم سلطانه وقوته للمحافظة على التعليم الصحيح.
عندما نقرأ هذه الرسالة نلاحظ انها تتضمن سيرة الرسول الذاتية، نستمع إلى كلمات بولس، كلمات المحبة والتحريض، والالتزام بكلمة الله وتطبيقها في واقع الحياة، كما يؤكد الرسول هنا الروح وعدم التمسك بالحرف، يعني التركيز على الأشياء الروحية وليس فقط العادات والتقاليد دون فهمها أو عيشها.
تبدأ الرسالة الثانية إلى كورنثوس بتذكير بولس لقرائه بعلاقتهم، فقد كان الرسول بولس أمينًا وصريحًا ومخلصًا معهم، ثم ينتقل بولس مباشرة إلى فرح وهدف خدمته، فيستعرض معهم طبيعة خدمته وكيفية العمل لاثبات اخلاص وصدق رسالته، ثم يحثهم على عدم التحول عن الحق، بعد ذلك يتكلم على موضوع جمع التبرعات للفقراء المؤمنين في اورشليم.
3- الإطار الليتورجي
* علاقة هذه القراءة بنصوص الصلاة الفرضية :
تدور صلاة الفرض للأحد الثاني من الصيف حول الحياة الجديدة التي منحنا اياها يسوع بعد قيامته، وكيف نعيش هذه الحياة بتطبيق وصايا الله، حيث تقول صلاة القانون : ” وعدنا مخلصنا ببشارته بالحياة وأعطى أملا للتائبين. تحنن يا رب بحنانك على جنسنا البشري الخاطئ واستجب برحمتك إلى طلباتنا وتضرعاتنا، أيها الصالح المملوء رحمة “ (الحوذرا - الجزء الثالث، صفحة 185).
* علاقة هذا النص مع القراءات الكتابية الأخرى :
نلاحظ في قراءات العهد القديم القراءة الأولى (تثنية الاشتراع 5 / 1-16)، والقراءة الثانية (أشعيا 5 / 1-7) مع قراءة العهد الجديد من انجيل (يوحنا 9 / 1-38)، كلها تؤكد عيش كلمة الله وتطبيقها في واقع الحياة، لا فقط التمسك بالكلمات دون الأفعال.
ففي القراءة الأولى (تثنية الاشتراع 5 / 1-16)، يتحدث موسى إلى الشعب ويطالبهم بالالتزام بكلمات الله (الوصايا العشر)، التي يتلوها موسى أمامهم حتى يحفظوها ويعملوا بها.
والقراءة الثانية (أشعيا 5 / 1-7)، تتكلم على نبوءة اشعيا التي تتضمن الحديث عن الكرم وكان ينتظر منه عنبًا فأعطاه خروبًا، ثم يقول ماذا أفعل بكرمي هذا ؟ اهدمه وأجعله بورًا، يعني علينا تطبيق كلمات الله والسيرة الحسنة والا سيكون مصيرنا الهلاك.
أما قراءة العهد الجديد، رسالة مار بولس الثانية إلى أهل كونثوس (3 / 1-18)، وانجيل يوحنا (9 / 1-38)، فتؤكد الخدمة الروحية، ففي رسالة مار بولس يطلب منهم عدم التمسك بالحرف وانما خدمة المسيح وتطبيق كلمته واعلان الخلاص الذي يأتي من الله، وأيضًا في انجيل يوحنا يفتح عين الأعمى ويمنح له النور، ليمجد الله في حياته ويشهد بكلمته الحية.
4- رسالة هذا النص لعالمنا المعاصر (تأوين)
تعلمنا هذه الرسالة كيف نتجاوب مع الآخرين عندما يهاجموننا، حيث يشرح الرسول طبيعة الخدمة المسيحية ويتخذ من خدمته مثالاً. وهذه رسالة هامة لكل من يريد الارتباط بأي نوع من أنواع الخدمة المسيحية، إذ نجد فيها الكثير من التعليم عن كيفية القيام بخدماتنا اليوم. فالذين يرتبطون بالخدمة، عليهم أن يكونوا مثالاً صالحًا، بلا لوم، مخلصين، واثقين من أنفسهم ومهتمين بالآخرين، ومستعدين لتحمل الآلام من أجل المسيح.
لقد تحمل الرسول بولس في خدمته الكثير من الآلام والاضطهادات والمقاومات، كما كان يصارع ضد ضعف جسدي ” شوكة في الجسد “، ولكن استطاع بقوة الله أن يبقى أمينًا لرسالته، هكذا نحن أيضًا عندما نتعرض للتجارب والمضايقات لنتعلم الاتكال على الله وهو يعزينا ويقوينا حتى نستطيع تشجيع الآخرين.
في هذه الرسالة يدافع بولس عن دوره في التأديب الكنسي، فلا يمكن التغاضي عن الفجور أو التعليم الكاذب، ولهذا على الكنيسة أن تكون صارمة بهذا الموضوع مع الأخذ بنظر الاعتبار قبول التائبين في شركتها، لأن الغرض من التأديب هو التقويم وليس الانتقام، ولكي تكون الكنيسة ناجحة يجب أن تواجه المشاكل والتحديات وأن تحلها لا أن تتجاهلها، مع التصرف بمحبة وحكمة.
كما علينا أن لا ننسى دورنا تجاه الكنيسة والقيام بالمساعدة المادية للمحتاجين مثل الكورنثيين، فيجب أن يكون عطاؤنا بسخاء وتضحية وبروحية عالية ومحبة، فسخاؤنا لا يساعد المحتاجين فحسب، بل يجعلهم يشكرون ويمجدون الله.